الشيخ السبحاني
281
رسائل ومقالات
معناه الأصلي ولم يكن هناك أيّ ادّعاء ، يوصف الاستعمال بالحقيقة ، وإن استعمل في نفس معناه الأصلي ، وكان مقروناً بادّعاء أنّ المورد من مصاديق ذلك المعنى الأصلي يوصف بالمجاز . مثلًا استعمل لفظ « ملك » في قوله : « ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ » « 1 » في نفس معناه الأصلي مدّعياً بأنّ يوسف من مصاديقه . والّذي يُضفي على الكلام حسناً وجمالًا ، هو نفس ذلك الادّعاء ، وإلا فلو استعمل لفظ « ملك » في يوسف بلا توسيط معناه الأصلي وبلا ادّعاء أنّه من مصاديقه ، لسقط الكلام عن قمّة البلاغة ، ولم يبق للتعجب وجه . فلو قال القائل : إني قاتلت في جبهات القتال أسداً هصوراً ، أو قابلت أمس قمراً منيراً . وهو لم يقابل إلا رجلًا شجاعاً باسلًا ، أو وجهاً صبيحاً ، فلا يريد بكلامه هذا اللقاء ، بهذين الشخصين بلا توسيط المعنى الأصلي بل يستعملهما في معناهما الأصليين لكن بادّعاء أنّ الموردين من مصاديق الأسد ، والقمر . وهذا الشاعر ، يمدح محبوبته متعجباً ويقول : قامت تُظلِّلُني ومن عجبٍ * شمس تُظلِّلُني من الشمس وإنّما يصحّ أن يتعجّب إذا استعمل لفظ الشمس في نفس معناها الحقيقي ، أعني : النيّر الكبير ، فعند ذلك صحّ أن يتعجب ، ان شمساً ( محبوبته ) قامت تظلّله من الشمس . وهنا يظهر حال الكناية وإن جعلها الأُدباء قسيماً ثالثاً للحقيقة والمجاز ، وذلك لأنّ الألفاظ في الكنايات أيضاً مستعملة بالإرادة الاستعمالية في معانيها الأصلية لكن صار ذلك سبباً لتعلّق الإرادة الجدية بشيء آخر ، وهو لازم المعنى
--> ( 1 ) . يوسف : 31 .