الشيخ السبحاني

263

رسائل ومقالات

أقول : أراد الكاتب إدانة المتكلّمين المجاهدين في معرفة اللَّه وصفاته ، والذين وعد اللَّه سبحانه أمثالهم بقوله : « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ » « 1 » ، ولكنّه في الوقت نفسه مدحهم من حيث لا يشعر ، لاتّباعهم الذكر الحكيم في ترك الظن في الأُصول والعقائد ، وبالتالي ترك المنهج الذي نسبه إلى السلف ، وإن كان قسم من السلف بريئاً من هذه الوصمة . 2 . إنّ المتكلّمين غلوا في تعظيم العقل حتى جعلوه حاكماً على الشرع ، ومقدّماً عليه عند التعارض ، وحتى أوجب بعضهم على اللَّه - بالعقل - أُموراً ، ومنعوا عليه أُموراً أُخرى . « 2 » نلفت نظر الكاتب إلى أمرين : 1 . انّ الوحي دليل قطعيّ ، لا يتطرق إليه الخطأ والاشتباه ، كما أنّ حكم العقل إذا استمدَّ حكمه من البرهان ، مثله ، أمر قطعي ، فكيف يمكن أن يقع التعارض بين القطعيين ؟ ! فما يُتراءى من صورة التعارض بين الوحي القرآني وما استنبطه العقل أو دلّت عليه التجربة فلا يخلو الحال من أحد أمرين : 1 . إمّا أن يكون ما فهمناه من الشرع أمراً خاطئاً ، دون أن يتطرّق الخطأ إلى نفس الشرع ، أو يكون ما استفدناه من البرهان مغالطة ، حدثت لقصور أو تقصير في المبادئ ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في نقد الفروض العلمية الّتي ربّما يتصوّر كونها معارضة للقرآن . نعم إذا كان المنسوب إلى الشرع أمراً ظنياً ، غير قطعي ، كأخبار الآحاد ، فلو كان هناك تعارض بينه وبين العقل القاطع ، فالمجال للثاني ، لانعدام الظن

--> ( 1 ) . العنكبوت : 69 . ( 2 ) . موقف المتكلّمين : 2 / 919 .