الشيخ السبحاني

243

رسائل ومقالات

السادسة : قياس الخالق بالمخلوق قد تعرفت على أنّ التجسيم والجهة كان مختمراً في أذهان المسلمين وقلّما يتّفق لأحدٍ منهم أن يتصوّر تصوّراً صحيحاً من إحاطته سبحانه بالعالم إحاطةً قيّوميّة . وهذا ابن أبي العوجاء زنديق عصره بعد ما سمع كلمة « اللَّه » سبحانه عن الصادق عليه السلام قال له : ذكرت اللَّه فأحلت على غائب ، فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام : « ويلك ! كيف يكون غائباً مَنْ هو مع خلقه شاهد ، وإليهم أقرب من حبل الوريد ، يسمع كلامهم ويرى أشخاصهم ويعلم أسرارهم ؟ » فقال ابن أبي العوجاء : فهو في كلّ مكان ، أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض ، وإذا كان في الأرض كيف يكون في السّماء ؟ ! فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام : « إنّما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل من مكان اشتغل به مكان ، وخلا منه مكان ، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه ، فأمّا اللَّه العظيم الشأن ، الملك الديّان ، فلا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان ، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان » . « 1 » فقد استدلّ الإمام بأنّ إنكار إله محيط بالعالم نابع عن قياس الممكن بالواجب والمخلوق بالخالق . فالممكن لأجل كونه محدوداً إذا وقع في مكان يخلو عنه مكان آخر ، وأمّا الواجب لأجل سعة وجوده وعدم تحديده يكون حاضراً في كلّ مكان ، لا حضوراً حلوليّاً ، بل قيّوميّاً ، لقيام كلّ ممكن بوجوده قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي .

--> ( 1 ) . الاحتجاج : 2 / 208 ، المناظرة 218 .