الشيخ السبحاني

310

رسائل ومقالات

الأفعال وقبحها ، ولا يتوقّف دركه على تعلق الأمر والنهي من الشارع بشيء حتّى يستدل بالأمر على حسن المتعلّق وبالنهي على قبحه ، وذلك لأنّ اللَّه سبحانه خلق الإنسان على فطرة خاصة حيث ألهمه سبحانه قبل أن يتدين بدين ، حسن الأفعال وقبحها ، فقال سبحانه : « فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها » . « 1 » وأوضح دليل على أنّ الإنسان يعرف حسن الأفعال وقبحها قبل الشرع هو قوله سبحانه : « وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ » . « 2 » وقال تعالى : « قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ » . « 3 » فالآيتان الأُولى والثالثة تدلان بوضوح على أنّ الفاحشة صارت متعلّقة للنهي لكونها بذاتها فاحشة ، لا أنّها صارت فاحشة لأجل النهي ، ونظير ذلك قوله : « قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ » فهو ظاهر في أنّ القسط يتميز عن ضده بذاته ، قبل أن يتعلّق حكم من الشرع به . ويؤيد ذلك قوله سبحانه : « فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً » . « 4 » قال ابن قيّم الجوزية : والقرآن مملوء من أوّله إلى آخره بذكر حِكَم الخلق ، والأمر ومصالحهما ومنافعهما وما تضمّناه من الآيات الشاهدة الدالّة عليه ، ولا يمكن من له أدنى اطّلاع على معاني القرآن ، إنكار ذلك . وهل جعل اللَّه سبحانه

--> ( 1 ) . الشمس : 8 . ( 2 ) . الأعراف : 28 و 29 . ( 3 ) . الأعراف : 33 . ( 4 ) . النساء : 160 .