الشيخ السبحاني
295
رسائل ومقالات
هذا هو الحق الصراح الذي جاء به البخاري في عنوان الفصل ، لكنّه حكى بعده عن بعض الناس - والمراد به أبو حنيفة - ما يخالفه وقال : قال بعض الناس : الجارية للغاصب ، لأخذه القيمة ، وفي هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها ، فغصبها واعتل أنّها ماتت ، حتّى يأخذ ربها قيمتها ، فيطيب للغاصب جارية غيره . قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أموالكم عليكم حرام ، ولكلّ غادر لواء يوم القيامة . « 1 » ونقول إيضاحاً لكلام البخاري : إنّ فتح الذرائع لو قيل به فإنّما يقال فيما إذا كان السبب مؤثراً في حصول النتيجة دون ما لم يكن غير مؤثر ، وبه يظهر بطلان ما أفتى به أبو حنيفة ، وذلك لأنّ زعم الغاصب موت الجارية لا يخرجها عن ملك صاحبها ، ولا يوجب اشتغال ذمة الغاصب بقيمتها ، بل تبقى الجارية على ملكية المالك ، فلو ظهر حياتها انكشف انّ القضاء بردّ القيمة كان باطلًا من أصله . ومن خلاله ظهر انّ السبب ( زعم الغاصب موت الجارية ) غير مؤثر في الانتقال فلا تقع ذريعة لتملّكها ، ولذلك ردّ البخاري على أبي حنيفة وقال : « وفي هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها ، فغصبها واعتلّ بأنّها ماتت حتّى يأخذ ربها قيمتها ، فيطيب للغاصب جارية غيره » ، لما عرفت من أنّ اعتقاد الغاصب بموت الجارية جازماً لا يكون سبباً لخروج الجارية عن ملك صاحبها وخروج قيمتها عن ملك الغاصب ، فكيف إذا كان عالماً بالخلاف وكاذباً في الإخبار ؟ فعدم جواز التحيّل في هذه المسألة لأجل انّ السبب حلالًا كان أو حراماً غير مؤثر فيه . وجملة القول في إعمال الحيل : إنّه إنّما يجوز إذا كان السبب مؤثراً في إثبات
--> ( 1 ) . صحيح البخاري : 4 ، كتاب الحيل ، الباب التاسع ، الحديث رقم 6966 .