الشيخ السبحاني
290
رسائل ومقالات
ويختاره . ولسنا في مقام بيان مضاعفات الجبر وأنّ القول به ينتهي إلى انتفاء الغرض من بعثة الأنبياء كما ينتهي إلى انتفاء الغرض من المناهج التربوية ، لأنّ المفروض أن ليس للإنسان إلّا طريق واحد ولا مناص له من السير عليه . إنّما الهدف بيان التناقض بين مضامين الآيات وما رواه المحدّثون في أصحّ الكتب عندهم ، والتي ليس بعد كتاب اللَّه تعالى كتب أفضل وأصحّ منها . روى مسلم في صحيحه عن زيد بن وهب عن عبد اللَّه : قال : « حدّثنا رسول اللَّه وهو الصادق : إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أُمّه أربعين يوماً ، ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك ، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات : يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ، فوالذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه وبينها إلّا ذراع ، فيسبق عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهل النار فيدخلها ، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه وبينها إلّا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها » . « 1 » هذه الرواية لا تفارق الجبر قيد شعرة ، فهي صريحة في أنّ الإنسان لا يملك نفسه في مجال الضلالة والهداية وإنّما مصيره فيهما بيد الكتاب ، فربّ إنسان مؤمن مهتد يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الضلال فيدخل النار ، ورب إنسان ضال شقي ، له مصيره الخاص ، لكن يسبق الكتاب عليه فيعمل بعمل أهل الهداية فيدخل الجنّة . فالمصير النهائي ليس بيد الإنسان : المهتدي والضال وإنّما هو بيد الكتاب
--> ( 1 ) . صحيح مسلم : 8 / 44 ، كتاب القدر .