الشيخ السبحاني

29

رسائل ومقالات

حتّى أمره أبو جعفر بالجلوس في المسجد ، والإفتاء للناس « 1 » فليس أمراً بديعاً ، وقد خفى على ربيعة الرأي الّذي هو من التابعين ويروي عن أنس ، وقد توفّي 136 ه كما توفّي أبان عام 141 ه . وقد استغرب كلّ من ربيعة وأبان أنّ الحكم بالنصف ، وذلك لأنّه كان على خلاف التماس العلل الواقعية للأحكام الشرعية من طريق العقل وجعلها مقياساً لصحة النصوص الشرعيّة فما وافقها يحكم عليه أنّه حكم اللَّه الّذي يؤخذ به ، وما خالفها كان موضعاً للرفض أو التشكيك ، وعلى هذا النوع من الاصطلاح تنزّل التعبيرات الشائعة : انّ هذا الحكم موافق للقياس وذلك الحكم مخالف له . وقد كان القياس بهذا المعنى - التماس العلل للأحكام من طريق العقل واستكشاف الحكم الشرعي بها مثارَ معركة فكرية واسعة النطاق على عهد الإمام الصادق عليه السلام وبعض فقهاء عصره . وعلى هذا الاصطلاح دارت المناظرة التالية بين الإمام وأبي حنيفة : روى أبو نعيم بسنده ، عن عمرو بن جميع : دخلتُ على جعفر بن محمد أنا وابن أبي ليلى وأبو حنيفة ، فقال لابن أبي ليلى : « من هذا معك ؟ ! قال : هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين ، قال : « لعلّه يقيس أمر الدين برأيه » إلى أن قال : « يا نعمان ، حدثني أبي عن جدّي أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : « أوّل من قاس أمر الدين برأيه إبليس ، قال اللَّه تعالى له : اسجد لآدم فقال : « أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » * ، فمن قاس الدين برأيه قرنه اللَّه تعالى يوم القيامة بإبليس ، لأنّه اتّبعه بالقياس » . « 2 » فالقياس في هذه الرواية منصرف إلى هذا المصطلح حيث إنّ إبليس تمرّد عن

--> ( 1 ) . رجال النجاشي : 1 برقم 6 . ( 2 ) . حلية الأولياء : 3 / 197 .