الشيخ السبحاني

206

رسائل ومقالات

الناس عن الدين ، ولذلك قام الشارع بإمضاء ما بيد العقلاء من حجّية قول الثقة وغيره الذي يوافق الواقع 90 % ويخالفه 10 % ، ففي تجويز العمل بالأمارة خير كثير وإن كان ينتهي إلى شر قليل على عكس إيجاب تحصيل العلم ، ففيه الشر الكثير ، فقدّم الأوّل على الثاني لتلك الغاية . إذا عرفت ذلك فنقول : لا محذور بالتعبّد بالأمارة الظنيّة لا ملاكاً ولا خطاباً ولا مبادئياً . أمّا الأوّل فله صورتان : الأُولى : ما يتجلّى بصورة تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة ، كما إذا كان الشيء واجباً أو حراماً ودلّت الأمارة على حلّيته ، ففيه تفويت المصلحة إذا كان واجباً ، أو الإلقاء في المفسدة إذا كان حراماً . الثانية : ما يتجلّى بصورة تدافع الملاكات كما إذا قامت الأمارة على وجوب ما كان حراماً في نفس الأمر ، وإليك دراسة الصورتين : أمّا الصورة الأُولى فإنّ في العمل بالأمارة وإن كان فوت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة في بعض الموارد ، لكن في إيجاب العمل بتحصيل العلم والاحتياط مفسدة كبرى وهي لزوم العسر والحرج الشديدين اللّذين ربما يسببان رغبة الناس عن الدين وخروجهم عنه ، زرافات ووحداناً ، ففي هذا المأزق ، يحكم العقل ، بتقديم الأوّل على الثاني . لا أقول : إنّ المصلحة الفائتة أو المفسدة الواردة تتدارك ؛ بل أقول : إنّ الأمارات حجّة من باب الطريقية المحضة ، وإنّ قيام الأمارة لا يحدث مصلحة في المتعلّق ، ولكن إذا دار الأمر بين الشرّ القليل والشر الكثير يحكم العقل بتقديم الأوّل على الثاني .