الشيخ السبحاني

52

رسائل ومقالات

فعلى هذا لا يقدر الإنسان على إضلال نفسه ولا هدايتها كما لا يقدر على أن يجعل نفسه من أهل الجنة أو النار ، ولو حاول لتحصيل شيء منها ، سبقَ الكتابُ حائلًا بينه وبين إرادته ، وهذا هو نفس القول بأنّ الإنسان مسيّر لا مخيّر . ثمّ إنّ الإمام النووي الشارح لصحيح مسلم نظر إلى هذه الأحاديث بعين الرضا والقبول ، فلما رأى انّها لا تفارق الجبر قيد شعرة حاول تأويل قوله : « فيسبق عليه الكتاب » في كلا الموضعين ، وقال : « انّ هذا قد يقع في نادر من الناس لا أنّه غالب فيهم » . ثمّ إنّ من لطف اللَّه تعالى وسعة رحمته انقلابُ الناس من الشر إلى الخير في كثرة وأمّا انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة ، وهو نحو قوله تعالى : « إنّ رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي » . « 1 » يلاحظ عليه أوّلًا : بانّ حمل أحد الطرفين على الغلبة والطرف الآخر على وجه الندرة قسمة ضيزى فانّ ظاهر الحديث أنّ سبق الكتاب في الطرفين سيان . وثانياً : انّ الحديث ظاهر في غلبة القدر على عمل الإنسان ونيته فربما يجعل الصالح طالحاً والطالح صالحاً ، ولا صلة له بسبق رحمته على غضبه والظاهر انّ هذه الأحاديث حيكت على وفق عقائد اليهود الذين ذهبوا إلى انّ يده سبحانه مغلولة غُلَّت أيديهم . 2 . وروى عنه أيضاً حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : « يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول : يا رب

--> ( 1 ) . شرح صحيح مسلم للنووي : 16 / 435 .