الشيخ السبحاني
327
رسائل ومقالات
فإدراك الفيل لا يتحقّق إلّا باستخدام البصر وفي فضاء منير ، بينما هؤلاء كانوا إمّا يفتقرون لحاسة البصر أو عدم تحقّق شرط الإنارة ، لأنّهم إمّا مكفوفون أو كان الفضاء مظلماً . كما أنّ هناك حاسة خاصة لإدراك المعارف الإلهية وصفات اللَّه الجلالية والجمالية ، وبشكل عام إدراك القضايا الماورائية وهي العقل والبرهان ، ولا يمكن الابتعاد عن العقل والاعتماد على الحس في إدراكها . فالنتيجة التي خلصنا لها من هذا المثال هي النتيجة نفسها التي أكدها الشاعر مولوي ، إذ قال : إنّ جهل هؤلاء بحقيقة الفيل يعود إلى فقدان شرط الإدراك الحسي وهو الشمعة والنور ، وإلّا فمع تحقّق الشرط المذكور سنكشف الواقع لهم ، وباستخدام العقل والمنطق سيتمكن المتدينون أيضاً من تمييز الحقّ عن الباطل والصحيح من الفاسد . يقول العلّامة محمد تقي جعفري في بيان مراد جلال الدين : الرؤيا هي الحاسة الطبيعية للحكم على الأشياء المتجسمة التي لا تعرف حقيقتها إلّا باللمس ، ولا تستطيع العين أن تثبت وجود حقيقة شيء آخر . فالعين التي تبصر البحر تختلف عن العين التي تبصر رغوة الماء . فأنت الذي خطوت خطوة للتعرف على الحقيقة اترك الثانية واستخدم الأُولى ، فما تراه من رغو على سطح بحر الحقيقة يستمد حركته من البحر . « 1 » إذاً فما يقولونه : « لا نعلم أي الرؤى صحيحة ، لعدم وجود رؤية نهائية ، يستطيع من خلالها الرجل المكفوف أن يتعرف على الفيل » صحيح ، لأنّهم استخدموا القوة اللامسة ، وهي أداة للأشياء الناعمة والملموسة وليست للتعرف على الحقيقة .
--> ( 1 ) . تفسير ونقد وتحليل مولوي : 2 / 141 .