الشيخ السبحاني

317

رسائل ومقالات

القراءة ثمّ نعود لأصل القراءة . إنّ نظرية « كانت » التي تعدّ إحدى مفاخر هذا الفيلسوف الألماني لا تعدو كونها جزءاً من التشكيك . ورغم انّ « كانت » شخص واقعي إلّا انّه وضع مبدأ لا ينتج إلّا الشكّ ، لأنّه يقول : « الشيء في الخارج غير الشيء في إدراكنا » . فإذا كان هذا المبدأ صحيحاً فكيف ندعي انّ الحقائق في العالم الخارجي موجودة ، ثمّ نقول إنّ معرفتنا بها نسبية ؟ وإذا كنّا نعي جميع إدراكاتنا بواسطة قوالب ذهنية ، مسبقة فكيف نقول : ما هو عندنا - ولو بشكل نسبي - هو نفسه الذي في الخارج ؟ لقد أحيا « كانت » بنظريته شك « بيرهون » ، فعلى الرغم من أنّه لم ينفِ الوجود الخارجي إلّا أنّه يقول من الممكن أن تكون الأشياء في الخارج شيئاً وما ندركه شيئاً آخر . وبيرهون كان متردداً في طرحه ، بينما طرح « كانت » نظريته بشكل نهائي وجزمي . لا شكّ انّ فلسفة « كانت » عجزت عن إثبات الشيء في نفسه ، فانسحبت إلى المثالية ، وقد أشكل عليه من جاء بعده من المثاليين ، ك « نيتشه » و « هيجل » ، وقالوا : إنّ فلسفة « كانت » فلسفة مثالية وليست واقعية . و « كانت » كان يعتقد بالشيء في نفسه ، ويحكم بوجوده ، لكنّه يقول : إنّه غير قابل للمعرفة ، وهذه قضية متناقضة لأنّ الحكم بوجود الشيء في نفسه نوع من معرفة الشيء في نفسه . كانت وكوبرنيك يشبّه « كانت » ، منهجه بمنهج « كوبرنيك » ، ويقول : إنّ كلانا استطاع بقلب الفرضيات السابقة أن ينجح في إزالة مشاكل كثيرة . لكن ينبغي أن يعلم أنّ « كوبرنيك » استطاع بنظريته الجديدة أن يقصي ما سببه علماء الفلك السابقين من