الشيخ السبحاني

312

رسائل ومقالات

منحصرة بهما ، وليس اليهود ولا النصارى أبناء اللَّه وأحباءه ، والهداية لا تحوم حول اليهودية والنصرانية ، وإنّما تتوقف على الإيمان باللَّه والعمل الصالح ، لا على شروطهم وتمنّياتهم : « تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » . « 1 » فهدف الآية ليس الاعتراف ببعض هذه الأديان ، بل هدفها تأكيد شرطي السعادة في جميع الشرائع ، بالإيمان والعمل الصالح ، وليس الانتساب إلى اليهودية والنصرانية أو أي فصيل آخر ، لأنّ الإيمان لا يجدي نفعاً ما لم يكن مصحوباً بالعمل الصالح . بل انّ اليهود المتكبّرين يعتقدون انّهم الشعب المختار وأحباء اللَّه ، وعليهم أن يستعبدوا الآخرين . وتصوّر النصارى ، في ضوء عقيدتهم - بأنّ المسيح فدى نفسه لتفادي الذنوب ، وقضية العشاء الرباني وصكوك الغفران التي يمنحها القساوسة - انّهم مصانون . والنتيجة انّ كلا الفريقين قد جانب التعاليم الإلهية من الناحية العملية ، لذا حذّر القرآن من هذا النمط من الفكر الذي يعيق التغيير في الروح الإنسانية ، وأكّد انّ ما تقدّم ليس ملاكاً في النجاة وإنّما النجاة مشروطة بالإيمان والعمل الصالح . فليس للآية الكريمة أدنى ارتباط بالاعتراف بهذه الشرائع على مدى الأزمان ، بل تريد الآية أن تؤكد أصلًا واحداً معتبراً في جميع الشرائع ، وهو انّ الأسماء والألقاب والأنساب ليست دواعي للنجاة ، بل على الجميع أن يتسلّحوا بالإيمان والعمل الصالح ، والآية ليست بصدد بيان خصائص الشريعة التي يجب أن نتبعها في حياتنا ولا خصوصيات العمل الصالح ، وما هو مصدره من بين الشرائع .

--> ( 1 ) . البقرة : 111 - 112 .