الشيخ السبحاني

29

رسائل ومقالات

إنّ هناك أُصولًا عقلية مبرهنة يعتقد بها الإلهيون وفي طليعتهم المسلمون ، ولا يمكن للعلوم الطبيعية أن تساعدهم في فهمها ولا أن تهدي إليها البشر . كالبحث عن أنّ المصدر لهذا العالم والمبدئ له ، أزلي أو حادث ، واحد أو كثير ، بسيط أو مركب ، جامع لجميع صفات الجمال والكمال ، أم لا ؟ هل لعلمه حد ينتهي إليه أم لا ؟ هل لقدرته نهاية أم لا ؟ هل هو أوّل الأشياء وآخرها ، أم لا ؟ هل هو ظاهر الأشياء وباطنها أم لا ؟ فالاعتقاد بهذه المعارف عن طريق العلوم الطبيعية والحسية غير ممكن ، والاعتماد على الوحي للتعرف عليها غير مقدور لكلّ إنسان ، مضافاً إلى أنّه تجب معرفتها قبل معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يتعرّف عليها عن طريق النبي والوحي المنزل ؟ كلّ هذا يدفعنا إلى استخدام العقل في فهم هذه الحقائق التي لا تنال بالحس بل تنال بالعقل ، فهل يمكن للشارع الحكيم الدعوة إلى هذه الحقائق والمنع من استخدام ما هو أداة فهمها ودركها . إنكار التحسين والتقبيح العقليين ومضاعفاته إنّ إهمال العقل في مضمار المعارف ، جرّ المنكرون إلى إنكار التحسين والتقبيح العقليين ، وقالوا : إنّه لا يمكن للعقل إنكار ما هو الحسن بالذات والقبيح كذلك ، بل يرجع في ذلك إلى الشرع كله ، وبالتالي ليس للعقل القضاء الباتّ بحسن العدل والصدق ، أو قبح الكذب والظلم ، وإنّما يتبع ذلك الوحي ، فما حسّنه الشارع فهو حسن ، وما قبّحه الشارع فهو قبيح ، وهذا الكلام وإن كان له بظاهره طلاوة ، ولكن القول به ينتهي إلى عدم إمكان إثبات نبوة الأنبياء كافة . 1 . إذا كان العقل عاجزاً عن درك حسن الأفعال وقبحها ، فمن أين نعلم