الشيخ السبحاني
160
رسائل ومقالات
ثمّ يقول : « ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ » أي لولا الوحي ما كان من شأنك الوقوف على تفاصيل ما في الكتاب ، ولا على تفاصيل ما يجب الإيمان به ، فالعلم التفصيلي بمضامين الكتاب وما فيه من الأُصول والتعاليم والقصص ثمّ الإذعان والإيمان بتلك التفاصيل حصل عند نزول الوحي ، ولولاه لما كان هناك علم ولا إيمان . وبما انّ القرآن يفسر بعضه بعضاً ، فهناك آيتان تفسّران كلًا من الأمرين . أمّا قوله : « ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ » ، فيفسره قوله « تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ » « 1 » فالآية صريحة في أنّ النبي لم يكن عالماً بتفاصيل الأنباء وإنّما وقف عليها عن طريق الوحي ، فعبر عن عدم وقوفه عليها في هذه الآية ، بقوله : « ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ » . وأمّا قوله : « وَلَا الْإِيمانُ » فيفسره قوله : « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ » « 2 » فقوله : « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ » صريح في أنّ متعلّق الإيمان الحاصل بعد الوحي ، الإيمان بما أُنزل إليه من تفاصيل الكتاب ، لا الإيمان باللَّه وتوحيده . وجميع هذه الآيات تشير إلى تكريمه سبحانه نبيّه وإنعامه عليه الذي جاء في الآية التالية : « وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً » « 3 » .
--> ( 1 ) . هود : 49 . ( 2 ) . البقرة : 285 . ( 3 ) . النساء : 113 .