الشيخ السبحاني

107

رسائل ومقالات

أضف إلى ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر في غير واحد من الموارد كتابة حديثه ، يجدها المتفحص في مصادرها . « 1 » ومع هذه الموارد الكثيرة التي رخّص النبيّ فيها كتابة الحديث ، والعمل به ، لا يبقى أيُّ شك في موضوعية ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم : « من كتب عنّي غير القرآن فليمحه » . ثانياً : هل يصحّ أن يأمر اللَّه سبحانه بكتابة الدين حفظاً له ، واحتياطاً عليه ، وفي الوقت نفسه ينهى نبيّه عن كتابة الحديث الذي يعادل القرآن في الحجّية ؟ ! ثالثاً : العجب من الأُستاذ أنّه سلّم وجه المنع ، وهو أن لا يختلط الحديث بالقرآن ، وقد نحته الخطيب البغدادي « 2 » في كتاب « تقييد العلم » « 3 » مع انّه غير تام ، لأنّ القرآن الكريم في أُسلوبه وبلاغته يغاير أُسلوب الحديث وبلاغته ، فلا يخاف على القرآن الاختلاط بغيره مهما بلغ من الفصاحة والبلاغة ، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم ، وهدم أُصوله . والكلمة الفصل أنّ المنع عن كتابة الحديث كان منعاً سياسيّاً صدر عن الخلفاء لغايات وأهداف خاصّة ، والخسارة التي مُني الإسلام والمسلمون بها من جرّاء هذا المنع لا تجبر أبداً ، وقد فصلنا الكلام في فصل خاص من كتابنا بحوث في الملل والنحل . « 4 »

--> ( 1 ) . سنن الترمذي : 5 / 39 ، باب كتابة العلم ، الحديث 2666 ؛ سنن الدارمي : 1 / 125 ، باب من رخص في كتابة العلم ؛ سنن أبي داود : 2 / 318 ، باب في كتابة العلم ، ومسند أحمد : 2 / 215 وج : 3 / 162 . ( 2 ) . أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي ( 392 - 463 ه ) مؤلّف تاريخ بغداد . ( 3 ) . تقييد العلم : 57 . ( 4 ) . لاحظ : الجزء الأوّل من الكتاب المذكور : 60 - 76 .