الشيخ السبحاني
574
رسائل ومقالات
العطف القلبي ولا يتلخص في الحنان الروحي ، فانّهما أمران قلبيان خارجان عن الاختيار ، فانّ حب الأب أو الأُم وإن كانا كافرين أمر جبلي لا يصحّ النهي عنه بل يرجع إلى التولي المستعقب ، للتصرف في أُمور المسلمين والتدخل في مصالحهم الذي ليس إلّا من شأنه سبحانه ورسوله ومن عيّنه الرسول بأمر منه . فالآيات بأجمعها سبيكة واحدة ، تصد المؤمنين عن اتخاذ أيّ ولي - غير اللَّه ورسوله - يتصرف في أُمورهم وإن كان سببه التحالف فلو صار الحلف بين المسلمين والكافرين سبباً لولاية الكفّار على المسلمين وتدخلهم في أُمورهم فهو ممنوع لانّه لا ولي للمؤمنين إلّا اللَّه ومن نصبه سبحانه . والذي يرشدنا إلى أنّ الولاية في الآية : « إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . . . » بمعنى الزعامة والقيادة ، هو انّه سبحانه يقول بعدها : « وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ » « 1 » فيطرح حزب اللَّه أوّلًا ، ثمّ غلبته على سائر الأحزاب ، والكلّ يناسب القيادة والزعامة ، لا مجرد الحب والود ، أو النصر والحلف . الثاني : انّ في نفس الآيات الثلاثة قرينة واضحة على الاختلاف في تفسير الولي ( لو قلنا بانّه اختلاف في المفهوم ) ، وذلك انّه سبحانه يجمع لفظ الولي في الآية الأُولى والثالثة . فقال في الأُولى : « لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ » . وقال في الثالثة : « وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ » . ولكنّه نرى انّه سبحانه أتى بها بلفظ المفرد في ثانية الآيات . وقال : « إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ . . . » فما هو الوجه في الإتيان بالجمع في الآيتين والإفراد في الثانية ؟
--> ( 1 ) . المائدة : 56 .