الشيخ السبحاني
502
رسائل ومقالات
ولكن بالنظر إلى ما ذكرنا من سعة آفاق دلالته يتبيّن انّ عددها ربّما يتجاوز عن الخمسمائة ، إذ ربّ آية لا تمت إلى الأحكام بصلة ، ولكن بالدقة والإمعان يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي . فمثلًا سورة المسد ، أعني قوله سبحانه : « تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ . . . » « 1 » ، بظاهرها ليست من آيات الأحكام ، ولكن للفقيه أن يستند إليها في استنباط بعض الأحكام الشرعية ، وقد حكي عن بعض الفقهاء انّه استنبط من سورة « المسد » قرابة عشرين حكماً فقهياً ، كما استنبطوا من قوله سبحانه : « قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ . . . » « 2 » أحكاماً شرعية . وهذا بالنسبة إلى ما ذكرناه من سعة آفاق دلالة القرآن ليس بغريب . ج . التدرّج في التشريع نزل القرآن تدريجيّاً قرابة ثلاث وعشرين سنة لأسباب ودواع مختلفة اقتضت ذلك ، وأشار إليها الذكر الحكيم في غير واحد من الآيات : قال سبحانه : « وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا » « 3 » أي فرقنا نزوله كي تقرأه على الناس على مهل وتريث . كما أشار في آية أُخرى إلى داع آخر ، قال سبحانه : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا » « 4 » فتثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحد الأسباب التي دعت إلى نزول القرآن بين الحين والآخر وفي
--> ( 1 ) . المسد : 1 - 2 . ( 2 ) . القصص : 27 - 28 . ( 3 ) . الإسراء : 106 . ( 4 ) . الفرقان : 32 .