الشيخ السبحاني

433

رسائل ومقالات

بأمرك ، فوالله انّهم لأهل أن تضرب أعناقهم ، فقال سعد بن عبادة وكان خزرجياً : كذبت لعمر اللَّه لا تضرب أعناقهم ، أما واللَّه ما قلتَ هذه المقالة إلّا انّك قد عرفت أنّهم من الخزرج ، ولو كانوا من قومك ما قلتَ هذا . فقال أُسيد : ولكنّك منافقٌ تجادل عن المنافقين ، وعندئذٍ تساور الناس حتى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر . وفي لفظ البخاري : فصار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قائم على المنبر فلم يزل يُخَفِّضُهم حتى سكتوا وسكت . « 1 » هذه نماذج من مواقف النبي الأعظم حيال الخلافات التي كانت تنشب أحياناً بين أُمّته ، وهو صلى الله عليه وآله وسلم كان يصنع من الخلاف وئاماً ومن النزاع وفاقاً ، ويدفع الشر بقيادته الحكيمة ، وما هذا إلّا لأنّ صرح الإسلام قائم على كلمتين : كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة . وهذا صنو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصيّه وخليفته إذ حُرِم من حقّه المشروع ، وبدلت الخلافة التنصيصية إلى تداول الخلافة بين تيم وعديّ ثمّ إلى أُمية ، قد بقي حليف بيته وأليف كتاب اللَّه وهو يرى المفضول يمارس الخلافة مع وجود الفاضل ، بل يرى تراثه نهباً ومع ذلك كلّه لم ينبس ببنت شفة إلّا في موارد خاصة ، حفاظاً على الوفاق والوئام وهو عليه السلام يشرح لنا تلك الواقعة بقوله : « فوالله ما كان يُلقى في روعي ، ولا يخطر ببالي ، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل بيته ، ولا انّهم مُنحّوه عني من بعده ، فما راعني إلّا انثيال الناس على فلان يبايعونه فأمسكت يديَ حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل . . . » . « 2 »

--> ( 1 ) . السيرة النبوية : 3 / 312 - 313 ؛ وصحيح البخاري : 5 / 119 ، باب غزوة بني المصطلق . ( 2 ) . نهج البلاغة ، الرسالة 62 ، طبعة محمد عبده .