الشيخ السبحاني
384
رسائل ومقالات
الآن حصحص الحقّ إنّ القارئ الكريم إذا أمعن فيما أوردناه في هذه الفصول الستّة يقف على ضالّتنا المنشودة وهي : 1 . إنّ الشيعة عن بكرة أبيهم كانوا مستقلّين في التفكير ، وقد اقتفوا في الأُصول والفروع أئمّة أهل البيت ، ولم يكونوا في عصر من الأعصار تبعاً للمعتزلة ، وأنّهم لو اتّفقوا معهم في أُصول ، اختلفوا في أُخرى ، ولو كان الاتّفاق فيها دليلًا على التبعية فلما ذا لا يكون دليلًا على العكس ؟ والحقّ أنّ الطائفتين يصدران عن معين عذب وهي خطب الإمام أمير المؤمنين في التوحيد والعدل ، والرجوع إلى العقل في مجال العقائد ، وأنّ من زعم أنّ الشيعة كانت تبعاً للمعتزلة فقد ظنّ ظنّاً خاطئاً بلا تحقيق ولا إمعان . هذا وإنّ شيخ الأُمّة المفيد عقد باباً خاصاً في كتابه أوائل المقالات بيّن فيه الفوارق الفكرية بين الشيعة والمعتزلة . « 1 » 2 . إنّ الشيعة كانت تتمتّع في القرون السبعة بمنهج كلاميّ تام متشعّب الفنون ، وقد نضج المنهج في ظلّ الأُصول السمعية والدراسات العقلية ، وها هم علماؤهم ، ومتكلّموهم فيها ، وهذه كتبهم ورسائلهم ، وهذه أُصولهم وعقائدهم ، وهذه مناظراتهم مع المخالفين . ومهما يكن من أمر فإنّ الشيعة قد خلفت تراثاً كلامياً ضخماً إلّا أنّ ثمة من يلمح إلى معنى فيه ظلم كثير للكلام الشيعي فها هو آدم متز يقول : لم يكن للشيعة في القرن الرابع منهج كلامي مع أنّ ابن النديم يصف المفيد بأنّه : « في عصرنا انتهت رئاسة متكلّمي الشيعة إليه ، مقدّم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه ، دقيق الفطنة ، بادئ الخاطر ، شاهدته فرأيته بارعاً » « 2 » ؟ !
--> ( 1 ) . أوائل المقالات : 7 - 16 . ( 2 ) . ابن النديم ، الفهرست : 266 .