الشيخ السبحاني

268

رسائل ومقالات

الصفات الخبرية من اليد والوجه والعين والاستواء على العرش ، وبما أنّ الأكثرية الساحقة لا يستطيعون فهم ما فيها من الدقائق والمعارف وربما يكون الخوض منتهياً إلى ما لا يحمد ، كفى لهم الإيمان والإقرار والإمرار والسكوت ، وما نقل عن الإمام مالك ( المتوفّى 179 ه ) : إيّاكم والبدع ، قيل : يا أبا عبد اللَّه ما البدع ؟ قال : أصحاب البدع هم الذين يتكلّمون في أسمائه وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته ، ولا يسكتون عمّا سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان « 1 » . لعلّه ناظر إلى هذه الطائفة الذين لو خاضوا فيها ، فسدوا وأفسدوا ، ولم يأتوا بشيء . وأمّا إذا انتُقل إلى المرحلة الثانية أي مرحلة الفهم والدراية والبحث والنظر وصياغة العقائد في ضوء الكتاب والسنّة والعقل ، فلا يصحّ له الاكتفاء بالإقرار والإمرار ، فإنّ الاستطلاع أمر طبيعيّ للبشر ، وهو أحد الأبعاد الأربعة الروحية له ، فلا يمكن كبح جماح فهمه ونظره بحجّة أنّ الصحابة والتابعين سكتوا عنه ، وكأنّ السلف هم القدوة دون الذكر الحكيم ، ودون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعترته الذين تكلّموا فيها ، وأضاءوا الطريق لسالكيه ، وكأنّ قوّة التفكير والنظر والمواهب العقلية المودعة في الإنسان خلقت سدىً وبلا غاية . وهل يمكن أن يفرض على عمالقة الفكر وأصحاب المواهب العقلية أن يقفوا دون هذه المعارف ويُطفئوا نور عقلهم وفي التالي يكونوا كأجلاف البيداء لا همّ لهم سوى الأكل والشرب والسير طلباً للماء والعشب ؟ ! وعلى هذا فيجب تصنيف الناس على صنفين ؛ قابل وغير قابل ، مستعدٌ وغير مستعد ، فلو صحّ الحرمان فإنّما للسوقة من الناس دون من أُوتي تفكيراً قوياً واستعداداً وقّاداً .

--> ( 1 ) . الدكتور أحمد محمود صبحي ، في علم الكلام : 1 / 21 نقلًا عن تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ، لمصطفى عبد الرزاق : 155 ، طبعة 1944 م .