الجاحظ
85
رسائل الجاحظ
ثم يستقرض إذا أعسر ولا يرد ، ويسأل الحوائج فلا يمنع ، ويلقى أبدا بالإعظام ، ويكنى إذا نودي ، ويفدى إذا ادعى ، ويحيا بطرائف الأخبار ، ويطلع على مكنون الأسرار ، ويتغاير الربطاء عليه ، ويتبادرون في بره ، ويتشاحون في وده ، ويتفاخرون بإيثاره . ولا نعلم هذه الصفة إلا للخلفاء : يعطون فوق ما يأخذون ، وتحصل بهم الرغائب ، ويدرك منهم الغنى . والمقين يأخذ الجوهر ويعطي العرض ، ويفوز بالعين ويعطي الأثر ، ويبيع الريح الهابة بالذهب الجامد ، وفلذ اللجين والعسجد . وبين المرابطين وبين ما يريدون منه خرط القتاد ، لأن صاحب القيان لو لم يترك اعطاء المربوط سؤله عفة ونزاهة ، لتركه حذقا واختيارا ، وشحا على صناعته ، ودفعا عن حريم ضيعته ، لأن العاشق متى ظفر بالمعشوق مرة واحدة نقص تسعة أعشار عشقة ، ونقص من بره ورفده بقدر ما نقص من عشقه . فما الذي يحمل المقين على أن يهبك جاريته ، ويكسر وجهه ويصرف الرغبة عنه . ولولا أنه مثل في هذه الصناعة الكريمة الشريفة لم يسقط الغيرة عن جواريه ويعنى بأخبار الرقباء ، ويأخذ أجرة المبيت ويتنادم قبل العشاء ، ويعرض عن الغمزة ، ويغفر القبلة ، ويتغافل عن الإشارة ، ويتعامى عن المكاتبة ، ويتناسى الجارية يوم الزيارة ، ولا يعاتبها على المبيت ، ولا يغض ختام سرها ، ولا يسألها عن خبرها في ليلها ، ولا يعبأ بأن تقفل الأبواب ، ويشدد الحجاب ، ويعد لكل مربوط عدة على حدة ، ويعرف ما يصلح لكل واحد منهن ، كما يميز التاجر أصناف تجارته فيسعرها على مقاديرها . ويعرف صاحب الضياع أراضيه لمزارع الخضر والحنطة والشعير . فمن كان ذا جاه من الربطاء اعتمد على جاهه وسأله الحوائج . ومن كان ذا مال ولا جاه له استقرض منه بلا عينة . ومن كان من السلطان بسبب كفيت به عادية الشرط والأعوان ، وأعلنت في زيارته الطبول والسراني ، مثل سلمة الفقاعي ، وحمدون الصحنائي ، وعلي الفامي ، وحجر