الجاحظ

82

رسائل الجاحظ

ثم أخبرته أنها لا تنام شوقا إليه ، ولا تتهنأ بالطعام وجدا به ، ولا تمل - إذا غاب - الدموع فيه ، ولا ذكرته إلا تنغصت ، ولا هتفت باسمه إلا ارتاعت ، وأنها قد جمعت قنينة من دموعها من البكاء عليه ، وتنشد عند موافاة اسمه بيت المجنون : وأهوى من الأسماء ما وافق اسمها * وأشبهه ، أو كان منه مدانيا وعند الدعاء به قوله : وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى * فهيج أحزان الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما * أطار بليلى طائرا كان في صدري وربما قادها التمويه إلى التصحيح ، وربما شاركت صاحبها في البلوى حتى تأتي إلى بيته فتمكنه من القبلة فما فوقها ، وتفرشه نفسها ان استحل ذلك منها ، وربما جحدت الصناعة لترخص عليه ، وأظهرت العلة والتاثت على الموالي ، واستباعت من السادة ، وادعت الحرية احتيالا لأن يملكها ، وإشفاقا ان يجتاحه كثرة ثمنها ، ولا سيما إذا صادفته حلو الشمائل ، رشيق الإشارة ، عذب اللفظ ، دقيق الفهم ، لطيف الحس ، خفيف الروح . فإن كان يقول الشعر ويتمثل به أو يترنم كان أحظى له عندها . وأكثر أمرها قلة المناصحة ، واستعمال الغدر والحيلة في استعطاف ما يحويه المربوط والانتقال عنه . وربما اجتمع عندها من مربوطيها ثلاثة أو أربعة على أنهم يتحامون من الاجتماع ، ويتغايرون عند الالتقاء ، فتبكي لواحد بعين ، وتضحك للآخر بالأخرى ، وتغمز هذا بذاك ، وتعطي واحدا سرها والآخر علانيتها ، وتوهمه أنها له دون الآخر ، وأن الذي تظهر خلاف ضميرها . وتكتب إليهم عند الانصراف كتبا على نسخة واحدة ، تذكر لكل واحد منهم تبرمها بالباقين وحرصها على الخلوة