الجاحظ

55

رسائل الجاحظ

منها ما هو ظاهر للعيون والعقول ، ومنها ما يدرك بالعقول ولا يظهر للعيون ، وبعضها وإن لم يظهر للعيون وكان مما يظهر للعقول فإنه لا يظهر إلا لكل عقل سليم جيد التركيب ، وذهن صحيح خالص الجوهر ، ثم لا يدركه أيضا إلا بعد إدمان الفكر ، وإلا بعد دراسة الكتب ، وإلا بعد مناظرة الشكل الباهر ، والمعلم الصابر . فإن أراد المبالغة وبلوغ أقصى النهاية ، فلا بد من شهوة قوية ، ومن تفضيله [ على ] كل صناعة ، مع اليقين بأنه متى اجتهد أنجح ، ومتى أدمن قرع الباب ولج . فإذا أعطى العلم حقه [ من الرغبة فيه ، أعطاه حقه ] من الثواب عليه . [ الغرور ] فصل منه : ومن آفات صناعة الكلام أن يرى من أحسن بعضها انه قد أحسنها كلها ، وكل من خاصم فيها ظن أنه فوق من خاصمه حتى يرى المبتدئ انه كالمنتهي ويخيل إلى الغبي أنه فوق الذكي . وأيضا أنه يعرض عن أهله وينصب لأصحابه من لم ينظر في علم قط ، ولم يخض في أدب منذ كان ، ولم يدر ما التمثيل ولا التحصيل ، ولا فرق ما بين الاهمال والتفكير . وهذه الآفات لا تعترى الحساب ولا الكتاب ، ولا أصحاب النحو والعروض ، ولا أصحاب الخبر وحمال السير ، ولا حفاظ الآثار ولا رواة الاشعار ، ولا أصحاب الفرائض ، ولا الخطباء ولا الشعراء ، ولا أصحاب الاحكام ومن يفتي في الحلال والحرام ، ولا أصحاب التأويل ، ولا الأطباء ولا المنجمين ولا المهندسين ، ولا لذي صناعة ولا لذي تجارة ، ولا لذي علة ولا لذي مسألة . [ الخصومة ] فهم لهذه البلية مخصوصون ، وعليها مقصورون ، فللصابر منهم من الاجر حسب ما خص به من الصبر . وهي الصناعة لا تكاد تظهر قوتها ولا يبلغ أقصاها الا مع حضور الخصم .