الجاحظ

340

رسائل الجاحظ

وأقاموه في الشمس فكان يرفع رجلا ويضع الأخرى لشدة الحر ، وكان بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده ثم جعلوه في بيت وسد عليه حتى مات بعد ان اشهدوا عليه انه خلع نفسه وذلك سنة 255 ه « 1 » . هذه صورة واضحة عن حالة الخلفاء العباسيين منذ عهد المتوكل ، انهم ألعوبة بيد القواد الأتراك ، معظمهم خلع أو قتل ، لا يملكون من الامر شيئا . ونشير هنا ان صاحبنا الجاحظ مات في السنة التي قتل فيها المعتز وخلف المهتدي اي سنة 255 ه . وبذلك يكون قد عاصر اثني عشر خليفة أولهم المهدي وآخرهم المهتدي . غير أن الجاحظ الذي شهد شباب الدولة العباسية وعنفوانها أو عهد الخلفاء الأقوياء كالرشيد والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل ، عندما رأى نجم الخلافة يميل إلى الأفول وأحس ببوادر الضعف تسري في عروقها آثر ان يبتعد عن العاصمة بغداد ، فتركها قبل مقتل المتوكل سنة 247 ه وعاد إلى مسقط رأسه البصرة حيث قضى السنوات القليلة الباقية من عمره منصرفا إلى التأليف . وقد تمكن خلالها من اكمال كتاب الحيوان الذي كان قد بدأه ببغداد في عهد المعتصم وأتم تصنيف كتاب البيان والتبيين بعد فراغه من كتاب الحيوان وكان قد بدأه في عهد المتوكل . ومما يلفت النظر طبيعة هذه المؤلفات . لقد غلب عليها الطابع العلمي والأدبي وضعف فيها الكلامي . وكأن الجاحظ تعب من الجدل والخصومات المذهبية فأوى إلى بيته في موطنه الأول بالبصرة مبتعدا عن السياسة والمماحكات الكلامية منصرفا إلى الأبحاث العلمية ، وقد المح إلى ذلك في مطلع الجزء السابع من كتاب الحيوان « 2 » .

--> ( 1 ) ابن الطقطقي ، تاريخ الدول الاسلامية ، ص 243 . ( 2 ) الحيوان ، ج 7 ، ص 10 .