الجاحظ

331

رسائل الجاحظ

يفتش عن سند آخر من أولي الامر يفيء إلى ظله ويأوي إليه في الملمات ، فوجد ذلك السند متمثلا بشخص الفتح بن خاقان الذي وزر للمتوكل وقتل معه سنة 247 ه . كان الفتح أديبا شاعرا ذكيا مهتما كالجاحظ بجمع الكتب شغوفا بمطالعتها « 1 » ، وكان له مكتبة عامرة ، وترك مصنفات عديدة أهمها كتاب اختلاف الملوك وكتاب الروضة والزهر وكتاب الصيد والجارح . اهدى الجاحظ الفتح بن خاقان كتاب « مناقب الترك وعامة جند الخلافة » . وهو يرمي ، كعادته من اهداء الكتب إلى التقرب من الفتح ونيل انعامه باعتباره من أصل تركي . الرسالة تدور كما يتضح من عنوانها حول مناقب الترك ، ولكنه لم يبخس سائر العناصر التي يتكون منها المجتمع العباسي من خراسانيين وعرب وبنويين حقوقهم . فاثبت مناقب كل عنصر منهم ، وركز على الخلة التي اشتهر بها الأتراك وهي الفروسية التي اسهب في شرحها والتنويه بها . وقد زعم أن عنايته في تصنيف هذا الكتاب هي التأليف بين قلوب هذه الشعوب ان كانت مختلفة ، وزيادة الألفة بينهم ان كانت مؤتلفة ، والاخبار عن اتفاق أسبابهم لتجتمع كلمتهم « 2 » . ويصرح انه لا يريد ان يبالغ في المديح أو يسرف في الهجاء لان الكتاب إذا شابه الكذب والتزيد بدا عليه التكلف وأضحى كلامه ممجوجا مستكرها . ويرى أن انفع المدح للمادح والممدوح وأحسنها هي تلك التي تبتعد عن الكذب وتوافق الواقع . وفي هذا المبدأ خالف الجاحظ سنة الشعراء المداحين الذين اسرفوا في التملق والكذب . ويخبرنا انه كتب هذه الرسالة أيام المعتصم ولكنها لم تصل إلى

--> ( 1 ) المرتضى ، الأمالي ، ج 1 ، ص 194 . ( 2 ) مناقب الترك ( رسائل الجاحظ ، ج 1 ، ص 29 ) .