الجاحظ

32

رسائل الجاحظ

والمحدثون ، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رئيس المحدثين في عصره وكان يسأل الواحد منهم : هل القرآن قديم أو مخلوق ؟ فمن قال إنه مخلوق رضي عنه وكرم . ومن قال إنه قديم أهين وأبعد وربما سجن وعذب . وقد عرض الجاحظ شيئا عن هذه المحاكمة المحنة في رسالة خلق القرآن . وكانت نتيجة هذه المحنة ان تحوّل بعض قادة العامة إلى الاعتزال ، بينما نافق آخرون ، وظلوا رغم تظاهرهم بالرضوخ على حالهم من الحقد على المعتزلة والقول بالتشبيه ، وهؤلاء هم الغالبية . وهؤلاء المنافقون لجئوا إلى حيلة جديدة عندما اعوزتهم القوة والبطش وهي الجدل والكلام « فصاروا بعد السب يحفون ، وبعد تحريم الكلام يجالسون ، وبعد التصام يستمعون ، وبعد التجليح يدارون . . . » . وهذا هو السبب الذي دفع الجاحظ إلى تأليف كتاب الرد على المشبهة . انه يهدف إلى كشف حجج هؤلاء المشبهة وتبيان تهافتها وتساقطها لكي لا يخدع باضاليلهم أحد . وهم يعتمدون في حججهم على آي يحرفونها وروايات يحولونها عن معانيها . اما سلاح الجاحظ فكان يعتمد على فضح تلك الحجج « بالدلالات المختصرة والاشعار الصحيحة والأمثال السائرة ، والاستشهاد بالكلام المعروف والقياس على الموجود » . وثمة صفة أخرى لذلك الكتاب هو انه جاء معتدل الطول « لم يفضل عن الحاجة ولم يقصر عن مقدار البغية » والسبب هو درء الملل عن نفس القارئ لأن الكتاب إن طال لا بد أن يسبب الضجر والسأم لمن يقرأه . ويرجو الجاحظ القاضي الشاب ان يقرأ الكتاب ويحث على قراءته وبثه بين الناس لينتفع به العامة والخاصة . لقد كان باستطاعة الجاحظ الترويج لكتابه والدعاوة له ولكنه آثر أن تكون للقاضي اليد في ذلك والثواب على هذا الصنيع . ثم إن منزلة القاضي الرفيعة ترفع من شأن الكتاب في عيون الناس كافة . وقبل كل هذا فان الكتاب يعبر عن الاعتزال وينصره ، والاعتزال هو مذهب