الجاحظ

316

رسائل الجاحظ

« اما عبد الملك فكان جبارا لا يبالي ما صنع ، واما سليمان فكانت همته بطنه وفرجه ، واما عمر بن عبد العزيز فكان أعور بين عميان ، وكان فتى القوم هشام ، ولم تزل بنو أمية ضابطين لما مهد لهم من السلطان ، يحوطونه ويحفظونه ، ويصونون ما وهب اللّه لهم ، مع تساميهم معالي الأمور ورفضهم ادانيها ، حتى افضى امرهم إلى أبنائهم المترفين ، فكانت همتهم قصد الشهوات وركوب اللذات من معاصي اللّه عز وجل - جهلا منهم باستدراجه ، وأمنا منهم لمكره ، مع اطراحهم صيانة الخلافة ، واستخفافهم بحق اللّه تعالى ، وحق الرئاسة ، وضعفهم عن السياسة . فسلبهم اللّه العز ، وألبسهم الذل ، ونفى عنهم النعمة » « 1 » . غير أن المنصور كان يصانع كل من لا يجد فيه خطرا على دولته ، كما كان يعفو عن كل مسيء إذا توسم فيه الفائدة لملكه ، نظير صنيعه بمعن بن زائدة الذي كان يطلبه ، فلما أحاط به الراوندية وهموا بقتله ، بادر معن إلى نجدة المنصور ، وابلى بلاء حسنا في الدفاع عنه . وكان المنصور لا يعرفه ، فقال له : من أنت ؟ أجاب معن : طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة . فقال : قد أمّنك اللّه على نفسك وأهلك ومالك ، ومثلك يصطنع . ثم إنه أحسن إليه وولاه اليمن « 2 » . وخلف المهدي أباه المنصور سنة 158 ه . وكان يشبهه في الفطنة ، وكان حازما في الدفاع عن الدين ، ولهذا حارب الملحدين والزنادقة حربا لا هوادة فيها ، وكان يجلس في كل يوم لرد المظالم ، يحيط به القضاة . وفي أيامه خرج المقنع الخراساني فأرسل إليه المهدي جيشا حصره في قلعة بخراسان مدة طويلة حتى قضى عليه . وقد أشار الجاحظ إلى خروج المقنع في خراسان ، وادعائه الربوبية ، وقوله

--> ( 1 ) المسعودي ، مروج الذهب ، ج 4 ، ص 130 - 131 . ( 2 ) البيان والتبيين ، ج 4 ، ص 70 .