الجاحظ
314
رسائل الجاحظ
حياته امتدت سحابة العصر العباسي الأول ومطلع العصر العباسي الثاني . هذه الحقبة من تاريخ العرب هي ازهى الحقب واخصبها عطاء ، لأنهم استطاعوا فيها ان يقطعوا أشواطا بعيدة في مضمار الرقي ، وان يبنوا حضارة عريقة ، وان ينجبوا نوابغ في العلوم والآداب والفلسفة . تأسست الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية . واسهم الفرس اسهاما فعالا في بنائها ، وصبغوها بصبغتهم المميزة من الوجهتين السياسية والاجتماعية . وقد أدرك الجاحظ هذه الحقيقة وعبر عنها بقوله : « وقد يجب ان نذكر بعض ما انتهى إلينا من كلام خلفائنا من ولد العباس ، ولو أن دولتهم عجمية خراسانية ودولة بني مروان عربية اعرابية ، وفي أجناد شامية » « 1 » وارتقى سدة الخلافة اثر سقوط الأمويين أبو العباس السفاح ، ولكن خلافته لم تدم سوى اربع سنوات ، إذ توفي عام 136 ه ، فبويع أخوه أبو جعفر المنصور ، فأسس بغداد وجعلها عاصمة الدولة سنة 145 ه ، ثم بنى مدينة الرصافة لابنه المهدي على الجانب الآخر من النهر بعد وثوب الجند عليه ، ليأمن شرهم . ويعتبر المنصور المؤسس الحقيقي للدولة العباسية ، كان حازما ، عاقلا ، عالما ، مقتصدا ، حسن التدبير ، راغبا عن اللهو ، ماكرا ، يقظا ، انقض على مناوئيه ، فاخمد ثورة الراوندية الذين الهوه ، وتخلص من محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن علي بن أبي طالب الملقب بالنفس الزكية ، وكان هذا قد اعتصم بالمدينة واعلن نفسه خليفة . وكذلك قضى على عمه عبد اللّه بن علي الذي طمح إلى الخلافة ودعا إلى مبايعته بالشام ، فوجه المنصور إليه أبا مسلم الخراساني فحاربه حتى هزمه . وأخيرا جاء دور أبي مسلم ذاته ، وكان المنصور يخاف من سطوته ونفوذه . ويروي الجاحظ حكاية المكيدة التي
--> ( 1 ) البيان والتبيين ، ج 4 ، ص 64 .