الجاحظ
286
رسائل الجاحظ
وابراء الأعمى والأكمه . ( 9 ) خطة الجاحظ في الرد على النصارى هي : ( 1 ) القول في جميع ما ورد من مسائلهم . ( 2 ) وفيما لم يقع في مسائلهم . ( 3 ) ثم يسألهم بعد جوابه إياهم عن وجوه يعرفون بها انتقاض قولهم وانتشار مذهبهم ، وتهافت دينهم . وهذه الردود تدعمها الشواهد الظاهرة ، والحجج القوية ، والأدلة الاضطرارية مع الابتعاد عن التكلف أو انتحال ما لا يحسن . وهو يقوم بهذا العمل في سبيل نصرة الدين الاسلامي . ولم يف الجاحظ بكل ما وعد به . لم يرد على جميع المسائل كما ذكرنا ، وهو لم يتقيد بأحد المبادي التي اعلنها في مطلع الكتاب ، وهي الاقرار بالكتب الدينية التي ورد ذكرها في القرآن - . فهو يشك في صحة الأناجيل الأربعة التي يقدسها المسيحيون ويرمي دينهم بالتهافت . ( 10 ) يعالج الجاحظ موضوعا جانبيا إلى جانب الموضوع الأساسي اي مسائل النصارى والرد عليها ، هو الأسباب التي جعلت النصارى أقرب إلى المسلمين من اليهود والمجوس وغيرهم . ويعتمد الجاحظ على المعارف التاريخية والطبيعية . مما يجعل بحثه ذا قيمة رفيعة . ( 11 ) المدينة المنورة أو يثرب التي هاجر إليها النبي كانت موطنا لبعض قبائل اليهود . وقد نظر هؤلاء إلى المسلمين نظرة ريبة ، ولم يلبثوا ان اصطدموا بهم وتأصلت العداوة منذ فجر الاسلام بين اتباع الديانتين . وتعليل الجاحظ لهذه العداوة غير كاف : ان سببها بنظره الجوار ، بينما سببها الحقيقي اختلاف العقيدة الدينية . ( 12 ) يشير الجاحظ إلى سبب آخر حبب النصارى إلى المسلمين هو ايواء الأحباش النصارى لمهاجري الاسلام عندما اشتدت عليهم وطأة المشركين ، وهذا امر طبيعي لأن الانسان يحب من يسدي إليه معروفا أو يصطنع إليه خيرا . ( 13 ) من أقوى أسباب المودة بين المسلمين والنصارى الآية القرآنية لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى . وموقف الجاحظ من هذه الآية ليس صائبا . فهو يزعم أن النصارى الذين ورد ذكرهم في الآية هم اتباع بحيرا ( الراهب الذي التقاه النبي في الشام قبل بعثته ) وليسوا نصارى الملكانية واليعقوبية ( انقسم النصارى اثر مجمع خلقيدونية سنة 451 م ثلاث فرق : الملكانية اتباع ملك الروم القائلون بالطبيعة البشرية للمسيح ، واليعقوبية اتباع مار يعقوب البرذعاني القائلون بالطبيعة الإلهية للمسيح ، والنسطورية اتباع ما نسطوريوس القائلون باتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية في المسيح ) . ( 14 ) يجعل الجاحظ اعتناق ملوك الغساسنة والمناذرة للنصرانية قبل الاسلام من أسباب التقارب بين