الجاحظ
275
رسائل الجاحظ
لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ، و وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ، و عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ، و ناضِرَةٌ ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ، وقوله : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ، و كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ، و جاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا . وقد يعلم أن مفسري كتابنا وأصحاب التأويل منا أحسن معرفة ، وأعلم بوجوه الكلام من اليهود ، ومتأولي الكتب ، ونحن قد نجد في تفسيرهم ما لا يجوز على اللّه في صفته ، ولا عند المتكلمين في مقاييسهم ، ولا عند النحويين في عربيتهم . فما ظنك باليهود مع غباوتهم وغيرهم ، وقلة نظرهم وتقليدهم ؟ وهذا باب قد غلطت فيه العرب أنفسها ، وفصحاء أهل اللغة إذا غلطت قلوبها ، وأخطأت قلوبها ، وأخطأت عقولها ، فكيف بغيرهم ممن لا يعلم كعلمها ؟ سمع بعض العرب قول جميع العرب : « القلوب بيد اللّه » ، وقولهم في الدعاء : « نواصينا بيد اللّه » وقوله جل ذكره : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ، وقولهم : « هذا من أيادي اللّه ونعمه عندنا » وقد كان من لغتهم أن الكف أيضا يد ، كما أن النعمة يد ، والقدرة يد ، فغلط الشاعر فقال : هون عليك فإن الأمور * بكف الإله مقاديرها وقد كان إبراهيم بن سيار النظام يجيب بجواب ، وأنا ذاكره إن شاء اللّه . وعليه كانت علماء المعتزلة ، ولا أراه مقنعا ولا شافيا . وذلك أنه كان يجعل الخليل مثل الحبيب ، مثل الولي ، وكان يقول : خليل الرحمن مثل حبيبه ووليه وناصره . وكانت الخلة والولاية والمحبة سواء . قالوا : ولما كانت كلها عنده سواء جاز أن يسمى عبدا له ولدا ، لمكان التربية التي ليست بحضانة ، ولمكان الرحمة التي لا تشتق من الرحم ، لأن إنسانا لو رحم جرو كلب فرباه لم يجز أن يسميه ولدا ويسمي نفسه أبا . ولو التقط صبيا فرباه جاز أن يسميه ولدا