الجاحظ

258

رسائل الجاحظ

ونحن نعوذ باللّه من التكلف وانتحال ما لا نحسن ، ونسأله القصد في القول والعمل ، وأن يكون ذلك لوجهه ، ولنصرة دينه ، إنه قريب مجيب . [ 10 - الأسباب التي قربت النصارى من المسلمين دون اليهود ] فأنا مبتدئ في ذكر الأسباب التي لها صارت النصارى أحب إلى العوام من المجوس ، وأسلم صدورا عندهم من اليهود ، وأقرب مودة ، وأقل غائلة ، وأصغر كفرا ، وأهون عذابا . ولذلك أسباب كثيرة ، ووجوه واضحة ، يعرفها من نظر ، ويجهلها من لم ينظر . [ 11 - نزاع الجوار بين المسلمين واليهود في يثرب ] أول ذلك أن اليهود كانوا جيران المسلمين بيثرب وغيرها ، وعداوة الجيران شبيهة بعداوة الأقارب في شدة التمكن وثبات الحقد ، وإنما يعادي الإنسان من يعرف ، ويميل على من يرى ، ويناقض من يشاكل ، ويبدو له عيوب من يخالط . وعلى قدر الحب والقرب يكون البغض والبعد ، ولذلك كانت حروب الجيران وبني الأعمام من سائر الناس وسائر العرب أطول ، وعداوتهم أشد . فلما صار المهاجرون لليهود جيرانا ، وقد كانت الأنصار متقدمة الجوار ، مشاركة في الدار ، حسدتهم اليهود على النعمة في الدين ، والاجتماع بعد الافتراق ، والتواصل بعد التقاطع ، وشبهوا على العوام ، واستمالوا الضعفة ، ومالئوا الأعداء والحسدة ، ثم جاوزوا الطعن وإدخال الشبهة ، إلى المناجزة والمنابذة بالعداوة ، فجمعوا كيدهم ، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في قتالهم ، وإخراجهم من ديارهم ، وطال ذلك واستفاض فيهم وظهر ، وترادف لذلك الغيظ ، وتضاعف البغض ، وتمكن الحقد . وكانت النصارى لبعد ديارهم ، من مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم ومهاجره ، لا