الجاحظ
207
رسائل الجاحظ
[ 4 - محنة العامة وقادتهم ] فلم يزل - أكرمك اللّه - كذلك حتى وضع اللّه من عزهم ، ونقص من قوتهم . وليس لأمر اللّه مرد ، ولا لقضائه مدفع ، وحتى تحول إلينا رجال من قادتهم ومن أعلامهم ، والمطاعين فيهم ، وارتاب قوم ونافق آخرون . وحتى تحولت المحنة عليهم ، والتقية فيهم . وذلك كله على يد شيخك وشيخنا بعدك - أعزه اللّه - بما بذل من جهده ، وعرض من نفسه ، وتفرد بمكروهه ، وغرغر مراره ، صابرا على جسيمه ، يرى الكثير في ذلك قليلا ، والإغراق تقصيرا ، وبذل النفس يسيرا . على حين خار كل بطل ، وحاد كل مقدم ، وعرد كل رئيس ، وأضاف كل مستبصر ، وطاح كل نفاج ، واستخفى كل مراء . وحتى صاروا هم الذين يشيرون عليه بالملاينة ، ويحسنون عنده المقاربة ، ويخوفونه العاقبة ، ويزعمون أن لكل زمان تدبيرا ومصلحة ، وأن ابعادهم أتقى لطبائعهم ، وإن إطلاقهم أنجع فيما يراد منهم وحتى سموا المداهنة مداراة ، وإعطاء الرضا تقية ، والشدة عند الفرصة خرقا ، والانحياز مع صواب الاقدام رفقا ، وموالاة المخالف مخالفة ، والمصافاة معاشرة ، والمهانة حلما ، والضعف في الدين احتمالا . كما سمى قوم الفرار انحيازا ، والبخل اقتصادا ، والجائر مستقصيا ، والبلاء عارضا ، والخطل بلاغة . فكذلك كانوا وكان وعلى هذا افترق أمرهم ، وذلك مشهور عنهم . [ 5 - المشبهة يضعون الأحاديث أو يؤولونها على هواهم ] ثم يصول أحدهم على من شتمه ، ويسالم من شتم ربه ، ويغضب على من شبه أباه بعبده ، ولا يغضب على من شبه اللّه بخلقه ، ويزعم أن [ في ] أحاديث المشبهة تأويلا ومجازا ومخارج ، وأنها حقّ وصدق . فإذا قيس . . . طلب لهذا المجاز ظلم ، وقال ما يليق بلفظ الحديث ، فيكون بشهادته لصحة أحاديثهم مقرا ، فيصير فيما يدعي من خلاف تأويلهم مدعيا . ولو كانت هذه الأحاديث كلها حقا كان قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « سيفشو الكذب بعدي ، فما جاءكم من الحديث فاعرضوه على كتاب اللّه » باطلا .