الجاحظ
201
رسائل الجاحظ
( 11 ) يشير الجاحظ إلى الخوارج الذين لم يحصروا الإمامة في قريش كما فعل أهل السنة والجماعة ولا في علي وأبنائه كما فعل الشيعة ، وجوزوا ان يكون عربيا أو أعجميا ، كما جوزوا عدم إقامة الإمام أو إقامة عدة أئمة . يرفض الجاحظ رأي الخوارج ويقول إنه لا بد من إقامة الإمام ، ويجب على الناس الكف عن المحارم واعطاء النصفة من أنفسهم سواء وجد الامام أم لم يوجد لأن الشرع بين لهم الحدود وإذا تمردوا على الامام يكونون قد عصوا اللّه . ( 12 ) يعرض الجاحظ رأيا يذهب إلى أنه لا حاجة إلى الامام الذي يخيف الناس فيقول ان الإمامة لا ترتكز على التخويف . فالرسول عندما بعث إلى العرب لم يرهبهم بل قد رأيناهم يتجرءون عليه وينكلون به وباتباعه ويحاولون قتله . ليست مهمة الرسول التخويف بل الابلاغ بالموعظة سواء صدقوا أو كذبوا . وما ينطبق على الرسول ينطبق على الامام . ( 13 ) وثمة رأي آخر يذهب إلى أن عدم إقامة الامام أحسن للناس لأنهم حينئذ يعتمدون على أنفسهم في حل مشاكلهم والدفاع عن مصالحهم ، ويتعودون على التعاون ومنع أنفسهم . ( 14 ) ويرفض الجاحظ دعوى الشيعة الذين يقيمون الإمامة على وصية الرسول لعلي . ويقول إن خبر الوصية أو العهد مختلف فيه والمختلف متدافع ، ولو كان الرسول عهد إلى علي بالخلافة لما قال الأنصار منا أمير ومنكم أمير ، والأنصار معروفون بصدق ايمانهم وتصديقهم للرسول وطاعتهم إياه ، ويورد حجج الشيعة والشواهد الشعرية التي تدعمها . كما يسلط الضوء على ما جرى من مداولات بشأن الخلافة اثر وفاة الرسول . ( 15 ) يبرر الجاحظ كتابته لرسالته « في استحقاق الإمامة » قائلا ان واجبه هو كشف خطأ من يضاده وارشاده ، ونشر العلم بين الناس لأن نعمة العلم لا تتم الا بنشره وخير وسيلة لنشره هي الكتب ، وقراءة الكتب أفضل من المشافهة لأن المشافهة تؤدي إلى الجدال والخصام والمباهاة ، ولأن الكتاب يقرأ في كل مكان وزمان ، وخير الكتب كتاب اللّه اي القرآن الذي ينطوي على الهدى والرحمة والعبرة وتعريف كل حسنة وسيئة . معظم هذه الرسالة مسلوخ من رسالة الفتيا . ( 16 ) الإمامة ترتكز على طباع البشر . هذا هو رأي الجاحظ الشخصي وبذا يربط نظريته في الإمامة بفلسفته العامة اي الفلسفة الطبيعية التي يفسر بها الاخلاق والمعرفة والاجتماع والسياسة والدين أيضا ، ان طبائع الناس وشهواتهم تدفعهم إلى الفساد والهلكة ولا يستطيع العقل في الغالب التغلب عليها وكبحها ، ومن هنا سبب الحاجة وجود قوة تحاسب وتعاقب وتتوعد بالقصاص العادل تتمثل بالأنبياء وخلفائهم من الأئمة .