الجاحظ
197
رسائل الجاحظ
أحدهما من سلطان صاحبه ولا ينهك أطرافه ولا يساجله الحروب ، إذ كل واحد منهما يطمع في حد صاحبه وطرفه لتقارب الحال واستواء القوى ، كما جاءت الأخبار عن ملوك الطوائف كيف كانت الحروب راكدة وأمرهم مريج ، والناس نهب ليس لهم ثغر إلا معطل ولا طرف إلا منكشف ، والناس فيما بينهم مشغولون بأنفسهم عن ملوكهم من عز بز مع إنفاق المال وشغل البال وشدة الخطر بالجمع والتغرير بالكل . [ 18 - صفات الإمام ] فصل منه : فإن قالوا : فما صفة أفضلهم ؟ قلنا : أن يكون أقوى طبائعه عقله ، ثم يصل قوة عقله بشدة الفحص وكثرة السماع ، ثم يصل شدة فحصه وكثرة سماعه بحسن العادة ، فإذا جمع إلى عقله علما وإلى علمه حزما وإلى حزمه عزما فذلك الذي لا بعده ، وقد يكون الرجل دونه في أمور وهو يستحق مرتبة الإمامة ومنزلة الخلافة ، غير أنه على حال لا بد من أن يكون أفضل أهل دهره . لأن من التعظيم لمقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن لا يقام فيه إلا أشبه الناس به في كل عصر ، ومن الاستهانة به أن يقام فيه من لا يشبهه وليس في طريقته ، وإنما يشبه الإمام الرسول بأن يكون آخذا بسيرته منه ، فأما أن يقاربه أو يدانيه فهذا ما لا يجوز ولا يسع تمنيه والدعاء به . فصل منه : وإذا كان قول المهاجرين والأنصار والذين جرى بينهم التنافس والمشاحنة على ما وصفنا في يوم السقيفة ، ثم صنيع أبي بكر وقوله لطلحة في عمر ، وصنيع عمر في وضع الشورى وتوعده لهم بالقتل إن هم لم يقيموا رجلا قبل انقضاء المدة ونجوم الفتنة ، ثم صنيع عثمان وقوله وصبره حتى قتل دونها ولم يخلعها ، وأقوال طلحة والزبير وعائشة وعلي رضي اللّه تعالى عنهم ، ليست بحجة على ما قلنا . فليست في الأرض دلالة ولا حجة قاطعة . وفي هذا الباب الذي وصفنا من حالاتهم وبينا دليل على أنهم كانوا يرون أن إقامة الإمام فريضة واجبة ، وأن الشركة عنها منفية ، وإن الإمامة تجمع صلاح الدين وإيثار خير الآخرة والأولى .