الجاحظ

19

رسائل الجاحظ

لإرادة صاحبها . أي ان الانسان لا يستطيع ان يسيطر على عمليات فكره ، وليس للإرادة سوى حصر الانتباه في الموضع ، اما كيفية عمل العقل فخارجة عن نطاق الإرادة ، هذا ما يفسر لنا تشبيه الطفل بالكلب والمجنون ، والفرس الذين تسيرهم الغرائز . ويتصرفون دون عقل أو إرادة . لقد ناقش المعتزلة الذين عاشوا بعد الجاحظ نظريته حول المعرفة ونجدهم يوجهون إليها نقدا عنيفا . كما يتضح في كتاب المغني الذي وضعه القاضي عبد الجبار ( 1025 م ) . وفي الكتاب الذي نحن بصدده كلام حول موضوع آخر هو الحرية ، وهو موضوع يضارع موضوع المعرفة في الأهمية ، وقد شغل بال الفلاسفة واحتل حيزا واسعا في أبحاثهم . وهنا نلفي الجاحظ يصنع نظرية أصيلة وقيمة . ان الانسان لا يكون حرا ومكلفا ، إلا إذا كان مستطيعا ، والاستطاعة تفترض شروطا هي صحة الجسم واعتدال المزاج ، والمعرفة بالأمور موضوع الفعل ، وفي الانسان قوتان تتصارعان هما العقل والشهوة ، وهو لا يكون حرا إلا إذا تساوت قوتا العقل والشهوة ، وإذا غلبت عليه الشهوات فقد حريته ، وإذا سيطر العقل على الشهوة فقد أيضا حريته ، لأنه يصبح ملزما بتنفيذ ما يمليه عليه المنطق والفكر .