الجاحظ
180
رسائل الجاحظ
آخرون : زيد بن حارثة . وقال قوم : خباب . ولم نجد قول كل واحد من هذه الفرق قاطعا لعذر صاحبه ولا ناقلا له عن مذهبه . وإن كانت الرواية في تقديم عليّ أشهر واللفظ به أكثر وأظهر . وكذلك إذا سألناهم عن الذابين عن الاسلام بمهجهم والماشين إلى الأقران بسيوفهم وجدناهم مختلفين ، فمن قائل : علي . ومن قائل : ابنا عفراء . ومن قائل : أبو دجانة . ومن قائل : محمد بن مسلمة . ومن قائل : طلحة . ومن قائل : البراء بن مالك . على أن لعلي من قتل الأقران والفرسان والأكفاء ما ليس لهم . فلا أقل من أن يكون عليّ في طبقتهم . وإن سألناهم عن الفقهاء والعلماء رأيناهم يعدون عليا وعمر وعبد اللّه بن مسعود وزيد بن ثابت وأبي ابن كعب . على أن عليا كان أفقههم ، لأنه كان يسأل ولا يسأل ويفتي ولا يستفتي ويحتاج إليه ولا يحتاج إليهم . ولكن لا أقل من أن نجعله في طبقتهم وكأحدهم . وإن سألناهم عن أهل الزهادة وأصحاب التقشف والمعروفين برفض الدنيا وخلعها والزهد فيها قالوا : علي وأبو الدرداء ومعاذ بن جبل وأبو ذر وعمار وبلال وعثمان بن مظعون . على أن عليا أزهدهم ، لأنه شاركهم في خشونة الملبس وجشوبة المأكل والرضا باليسير والتبلغ بالحقير وظلف النفس عن الفضول ومخالفة الشهوات ، وفارقهم بأن ملك بيوت الأموال ورقاب العرب والعجم ، فكان ينضح بيت المال في كل جمعة ويصلي فيه ركعتين ، ورقع سراويله بأدم ، وقطع ما فضل من ردائه عن أطراف أصابعه بالشفرة ، في أمور كثيرة . مع أن زهده أفضل من زهدهم لأنه أعلم منهم ، وعبادة العالم ليست كعبادة غيره كما أن زلته ليست كزلة غيره . فلا أقل من أن نعده في طبقتهم . ولم نجدهم ذكروا لأبي بكر وزيد وخباب مثل الذي ذكروا له من بذل النفس والغناء والذب عن الاسلام بالسيف . ولم نجدهم ذكروا للزبير وابني عفراء وأبي دجانة والبراء بن مالك مثل الذي ذكروا له من التقدم في الاسلام والزهد والفقه . ولم نجدهم ذكروا أبا بكر وزيدا وخبابا في طبقة ابن مسعود وأبي بن كعب كما ذكروا عليا في طبقتهما ، ولا ذكروا ( أبا ) بكر وزيدا وخبابا في طبقة معاذ بن جبل وأبي الدرداء وأبي بن كعب وعمار وبلال وعثمان بن مظعون كما ذكروا عليا في طبقتهم . فلما رأينا هذه الأمور مجتمعة فيه متفرقة في