الجاحظ

170

رسائل الجاحظ

حين كان يجيبه في كل ما سأل عنه حتى إذا بلغ المخنق والموضع الذي إن قال فيه كلمة واحدة برئ منه أصحابه قال : ليس أنا متكلم . فلا هو قال في أول الأمر لا علم لي بالكلام ولا هو حين تكلم فبلغ موضع ظهور الحجة خضع للحق . فمقته الخليفة وقال عند ذلك : أف لهذا الجاهل مرة والمعاند مرة . وأما الموضع الذي فيه واجه الخليفة بالكذب والجماعة بالقحة وقلة الاكتراث وشدة التصميم فهو حين قال له أحمد بن أبي داود : أتزعم أن اللّه تعالى رب القرآن ؟ قال : لو سمعت أحدا يقول ذلك لقلت ! قال : أفما سمعت ذلك قط من حالف ولا سائل ولا من قاص ولا في شعر ولا في حديث ؟ قال : لا فعرف الخليفة كذبه عند المسألة كما عرف عناده عند الحجة . وأحمد بن أبي دؤاد حفظك اللّه تعالى أعلم بهذا الكلام وبغيره من أجناس العلم من أن يجعل هذا استفهام مسألة ويعتمد عليها في مثل تلك الجماعة ، ولكنه أراد أن يكشف لهم جرأته على الكذب كما كشف لهم جرأته في المعاندة . فعند ذلك ضربه الخليفة . وأية حجة لكم في امتحاننا إياكم وفي إكفارنا لكم وزعم يومئذ أن حكم كلام اللّه تعالى كحكم علمه ، فكما لا يجوز أن يكون علمه محدثا ومخلوقا فكذلك لا يجوز ان يكون كلامه مخلوقا ومحدثا ، فقال له : أليس قد كان اللّه يقدر أن يبدل آية مكان آية وينسخ آية بآية وأن يذهب بهذا القرآن ويأتي بغيره ، وكل ذلك في الكتاب مسطور ؟ قال : نعم . قال : فهل كان يجوز هذا في العلم وهل كان جائزا أن يبدل اللّه علمه ويذهب به ويأتي بغيره ؟ قال : لا . وقال له : روينا في تثبيت ما نقول الآثار وتلونا عليك الآية من الكتاب وأريناك الشاهد من العقول التي بها لزم الناس الفرائض وبها يفصلون بين الحق والباطل ! فعارضنا أنت الآن بواحدة من الثلاث ؟ فلم يكن ذلك عنده ولا استخزى من الكذب في هذا المجلس ، لأن عدة من حضره أكثر من أن يطمع أحد أن يكون الكذب يجوز عليه ، وقد كان صاحبكم هذا يقول : لا تقية إلا في دار الشرك . فلو كان ما أقر به من خلق القرآن كان منه على وجه التقية فقد أعملها في دار الاسلام وقد أكذب نفسه ، وإن كان ما أقر به على الصحة والحقيقة فلستم منه وليس منكم . على أنه لم ير سيفا مشهورا ولا ضرب ضربا كثيرا ولا ضرب إلا بثلاثين سوط مقطوعة الثمار