الجاحظ

168

رسائل الجاحظ

الأجسام وليست لكون الجسم له علة توجبه ، ولا يحدث إذا حدث إلا اختيارا وإلا ابتداعا واختراعا ، والصوت لا يكون إلا عن علة موجبة ولا يكون إلا توليدا ونتيجة ، ولا يحدث إلا من جرمين كاصطكاك الحجرين وكقرع اللسان باطن الأسنان ، وإلا من هواء يتضاغط وريح تختنق ونار تلتهب ، والريح عندهم هواء تحرك ، والنار عندهم ريح حارة ، هكذا الأمر عندهم . فلو قالوا لا يكون الشيء مخلوقا في الحقيقة دون المجاز على مجاري اللغة إلا وقد بان اللّه عز وجل باختراعه وتولاه بابتداعه ، وكان منه على اختيار . والابتداع الذي يمكن تركه وإنشاء عقيبة بدلا منه على ما كان تولده ونتيجته من أجسام يستحيل أن يخلق من أفعالها ويحلها اللّه منها . والقرآن على غير ذلك جسم وصوت ، وذو تأليف وذو نظم وتقطيع ، وخلق قائم بنفسه مستغن عن غيره ، ومسموع في الهواء ومرئي في الورق ومفصل وموصل ، ذو اجتماع وافتراق ، ويحتمل الزيادة والنقصان والفناء والبقاء . وكلما احتملته الأجسام ووصفت به الاجرام ، كل ما كان كذلك فمخلوق في الحقيقة دون المجاز وتوسع أهل اللغة ، فلو كانوا قالوا ذلك لكانوا أصابوا في القياس ووافقوا أهل الحق وكانوا مع الجماعة ولم يضاهوا أهل الخلاف والفرقة ولم يفهموا أنفسهم بقول المشبهة ، إذ كان ظاهر قولهم على التشبيه أدل وبه أشبه . ولا يجوز أن أذكر موضع موافقتي لهم ومخالفتي عليهم في صدر هذا الكتاب ، لأن التدبير في وضع الكتاب والسياسة في تعليم الجهال أن يبدأ بالأوضح فالأوضح والأقرب وبالأصول قبل الفروع حتى يكون آخر الكتاب لآخر القياس ، وآخر الكلام لا يفهم أرشدك اللّه تعالى ولا يتوهم إلا على ترتيب الأمور وتقديم الأصول ، فإذا رتبنا الأمور وقدمنا الأصول صارت أواخر المعاني في الفهم كأوائلها ودقيقها كجليلها ، وقد علمنا أن بعض ما فيه الاختلاف بين من ينتحل الاسلام أعظم فرية وأشد بلية وأشنع كفرا وأكبر إثما من كثير مما أجمعوا على أنه كفر . [ 6 - محنة خلق القرآن ] فصل منه : وبعد فنحن لا نكفر إلا من اوسعناه حجة ، ولم نمتحن إلا أهل