الجاحظ

166

رسائل الجاحظ

تتمكن من الحجة وتتهنأ بالنعمة وتجد رائحة الكفاية وتثلج ببرد اليقين وتفضي إلى حقيقة الأمر . وإن كان لا بد من عوارض العجز ولواحق التقصير ، فالبر لها أجمل والضرر علينا في ذلك أيسر ، وقلت : ابدأ بالأخف فالأخف وبكل ما كان آنق في السمع وأحلى في الصدور . وبالباب الذي منه يؤتى المريض المتكلف والجسور المتعجرف وبكل ما كان أكثر علما وأنفذ كيدا ، وسألتني بتفتيح الاستداد والعجلة إلى الاعتقاد وصفة الأناة ومقدارها ومقدمات العلوم ومنتهاها ، وزعمت أن من اللفظ ما لا يفهم معناه دون الإشارة ودون معرفة السبب والهيئة دون إعارته وركته وتحديده واحتيازه . وقلت : فان أنت لم تصور ذلك كله صورة تغنى عن المشافهة ويكتفى بظاهرها عن المراسلة أحوجتنا إلى لقائك على بعد دارك وكثرة أشغالك وعلى ما تخاف من الضيعة وفساد المعيشة . [ 3 - كتاب نظم القرآن ] فكتبت لك كتابا أجهدت فيه نفسي وبلغت منه أقصى ما يمكن مثلي في الاحتجاج للقرآن والرد على طعان ، فلم أدع فيه مسألة لرافضي ولا لحديثي ولا لحشوي ، ولا لكافر مباد ولا لمنافق مقموع ولا لأصحاب النظام ولمن نجم بعد النظام ممن يزعم أن القرآن حق وليس تأليفه بحجة وأنه تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة ، فلما ظننت أني قد بلغت أقصى محبتك وأتيت على معنى صفتك أتاني كتابك تذكر أنك لم ترد الاحتجاج لنظم القرآن ، وإنما أردت الاحتجاج لخلق القرآن وكانت مسألتك مبهمة ولم أك أن أحدث لك فيها تأليفة ، فكتبت لك أشق الكتابين وأثقلهما وأغمضهما معنى وأطولهما طولا . [ 4 - الأسباب التي حفزته على تأليف كتاب خلق القرآن ] ولولا ما اعتللت به من اعتراض الرافضة واحتجاج القوم علينا بمذهب معمر وأبي كلدة وعبد الحميد وثمامة وكل من زعم أن أفعال الطبيعة مخلوقة على المجاز دون الحقيقة ، وأن متكلمي الحشوية والنابتة قد صار لهم بمناظرة أصحابنا وبقراءة كتبنا بعض الفطنة ، لما كتبت لك رغبة بك عن أقدارهم وضنا بالحكمة عن