الجاحظ

155

رسائل الجاحظ

على العدد الكثير من العقلاء والدهاة والحكماء مع اختلاف عللهم وبعد هممهم وشدة عداوتهم على بذل الكثير وصون اليسير ، وهذا من ظاهر التدبير ومن جليل الأمور التي لا تخفى على الجهال فكيف على العقلاء وأهل المعارف ، فكيف على الأعداء ؟ لأن تحبير الكلام أهون من القتال ومن إخراج المال ، ولم يقل ان القوم قد تركوا مساءلته في القرآن والطعن فيه بعد أن كثرت خصومتهم في غيره ! ويدلك على ذلك قوله عز وجل وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً وقوله عز ذكره : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ وقوله تعالى ذكره : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ، ويدلك كثرة هذه المراجعة وطول هذه المناقلة على أن التقريع لهم بالعجز كان فاشيا ، وأن عجزهم كان ظاهرا ، ولم يكن النبي صلّى اللّه عليه وسلم تحداهم بالنظم والتأليف ولم يكن أيضا أزاح علتهم حتى قال تعالى : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وعارضوني بالكذب لقد كان في تفصيله له وتركيبه وتقديمه له واحتجاجه ما يدعو إلى معارضته ومغالبته وطلب مساويه ! ولو لم يكن تحداهم في كل ما قلنا وقوعهم بالعجز عما وصفنا ، وهل هذا إلا تمديحه له واكثاره فيه لكان ذلك سببا موجبا لمعارضته ومغالبته وطلب تكذيبه ، إذ كان كلامهم وهو سيد عملهم والمئونة فيه أخف عليهم وقد بذلوا النفوس والأموال ، وكيف ضاع منهم وسقط على جماعتهم نيفا وعشرين سنة مع كثرة عددهم وشدة عقولهم واجتماع كلمتهم ، وهذا أمر جليل الرأي ظاهر التدبير . فصل منه - في كراهة امتناعهم عن معارضة القرآن لعجزهم عنها - : والذي منعهم من ذلك هو الذي منع ابن أبي العوجاء وإسحاق بن طالوت والنعمان بن المنذر وأشباههم من الأرجاس الذين استبدلوا بالعز ذلا وبالايمان كفرا وبالسعادة شقوة وبالحجة شبهة ، بل لا شبهة في الزندقة خاصة ، فقد كانوا يصنعون الآثار ويولدون الأخبار ويبثونها في الأمصار ويطعنون في القرآن ويسألون عن متشابهه وعن خاصه وعامه ويضعون الكتب على أهله . وليس شيء مما ذكرنا يستطيع دفعه جاهل غبي ولا معاند ذكي .