الجاحظ
142
رسائل الجاحظ
يرم ذلك أحد ولا تكلفه ولا أتى ببعضه ولا شبيه منه ولا ادعى أنه قد فعل ، فيكون ذلك الخبر باطلا ، وليس قول جمعهم أنه كان كاذبا معارضة لهذا الخبر إلا أن يسموا الانكار معارضة ، وإنما المعارضة مثل الموازنة والمكايلة ، فمتى قابلونا بأخبار في وزن أخبارنا ومخرجها ومجيئها فقد عارضونا ووازنونا وكايلونا وقد تكافينا وتدافعنا . فأما الانكار فليس بحجة كما أن الاقرار ليس بحجة ، ولا تصديقنا النبي صلّى اللّه عليه وسلم حجة على غيرنا ولا تكذيب غيرنا له حجة علينا ، وإنما الحجة في المجيء الذي لا يمكن في الباطل مثله . فان قلت : وأي مجيء أثبت [ من ] خبر النصارى عن عيسى بن مريم عليه السلام ! وذلك أنك لو سألت النصارى مجتمعين ومتفرقين لخبروك عن أسلافهم أن عيسى قد قال إني إله ؟ قلنا : قد علمنا أن نصارى عصرنا لم يكذبوا على القرن الذي كان قبلهم والذين كانوا يلونهم ، ولكن الدليل على أن أصل خبرهم ليس كفرعه أن عيسى عليه السلام لو قال إني إله لما أعطاه اللّه تعالى إحياء الموتى والمشي على الماء ! على أن في عيسى عليه السلام دلالة في نفسه أنه ليس بإله وأنه عبد مدبر ومقهور ميسر . وليس خبرهم هذا إلا كإخبار النصارى عن آبائهم والقرن الذي يليهم أن بولس قد كان جاء بالآيات والعلامات . وكإخبار المانوية عن القرن الذي كان يليهم من أن ماني قد كان جاءهم بالآيات والعلامات ، وكإخبارهم المجوس عن آبائهم والذين كانوا يلونهم أن زرادشت قد جاءهم بالآيات والعلامات . وقد علمنا أن هؤلاء النصارى لم يكذبوا على القرن الذي كان يليهم ولا الزنادقة ولا المجوس ، ولكن الدليل على أصل خبرهم ليس كفرعه . لأن اللّه تعالى جل وعز لا يعطي العلامات من لا يعرفه . لأن بولس إن كان عنده أن عيسى عليه السلام إله فهو لا يعرف اللّه تعالى بل لا يعرف الربوبية من العبودية والبشرية من الإلهية . فصل منه : وللنصارى خاصة رياء عجيب وظاهر زهد ، والناس أبطأ شيء عن التصفح وأسرع شيء إلى تقليد صاحب السن والسمت ، وظاهر العمل ادعى