الجاحظ
136
رسائل الجاحظ
الغريبة مشحذة للأذهان ومادة للقلوب وسبب للتفكير وعلة للتنقير عن الأمور ، وأكثر الناس سماعا أكثرهم خواطر ، وأكثرهم خواطر أكثرهم تفكرا ، وأكثرهم تفكرا أكثرهم علما ، وأكثرهم علما أرجحهم عملا ، كما أن أكثر البصراء رؤية للأعاجيب أكثرهم تجاربا ! ولذلك صار البصير أكثر خواطر من الأعمى ، وصار البصير السميع أكثر خواطر من البصير الأصم . وعلى قدر شدة الحاجة تكون الحركة ، وعلى قدر ضعف الحاجة يكون السكون . كما أن الراجي والخائف دائبان ، والآيس والآمن وادعان . [ 11 - سبب ارسال الرسل ] وإذا كان اللّه تعالى لم يخلق عباده في طبع عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا وآدم أبي البشر صلوات اللّه عليهم أجمعين ، وخلقهم ناقصين وعن درك مصالحهم عاجزين وأراد منهم العبادة وكلفهم الطاعة وترك العيان للأمل البعيد وأرسل إليهم رسله وبعث فيهم أنبياءه وقال : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ولم يشهد أكثر عباده حجج رسله عليهم السلام ولا أحضرهم عجائب أنبيائه ولا أسمعهم احتجاجهم ولا أراهم تدبيرهم ، لم يكن بد من أن يطلع المعاينين على أخبار الغائبين ، وأن يسخر أسماع الغائبين لأخبار المعاندين ، وأن يخالف بين طبائع المخبرين وعلل الناقلين ليدل السامعين ومن يحبب من الناس على أن العدد الكثير المختلفي العلل المتضادي الأسباب المتفاوتي الهمم لا يتفقون على تخرص الخبر في المعنى الواحد ، وكما لا يتفقون على تخرص الخبر في المعنى الواحد على غير التلاقي والتراسل إلا وهو حق فكذلك لا يمكن مثلهم في مثل عللهم التلاقي عليه والتراسل فيه ، ولو كان تلاقيهم ممكنا وتراسلهم جائزا لظهر ذلك وفشا واستفاض وبدا ، ولو كان ذلك أيضا ممكنا وكان قولا متوهما لبطلت الحجة ولنقضت العادة ولفسدت العبرة ولعادت النفس بعلة الإخبار جاهلة ، ولكان للناس على اللّه أعظم الحجة ، وقد قال اللّه عز وجل لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ إذا كلفهم طاعة رسله وتصديق أنبيائه ورسله وكتبه والايمان بجنته وناره ولم يضع لهم دليلا على