الجاحظ

134

رسائل الجاحظ

نقضها وإفسادها فإذا قرأها فهمها وإذا فهمها انتبه من رقدته وأفاق من سكرته لعز الحق وذل الباطل ولإشراف الحجة على الشبهة ، ولأن من تفرد بكتاب فقرأه ليس كمن نازع صاحبه وجافاه ، لأن الانسان لا يباهي بنفسه والحق بعد قاهر له ، ومع التلاقي يحدث التباهي وفي المحافل يقل الخضوع ويشتد النزوع . [ 9 - حاجة الناس إلى الاخبار ] ثم رجع الكلام إلى حاجة الناس إلى استماع الأخبار والتفقه في تصحيح الآثار فأقول : إن الناس قد استغنوا عن التكرير وكفوا مئونة البحث والتنقير لقلة اعتبارهم ، ومن قل اعتباره قل علمه ، ومن قل علمه قل فضله ، ومن قل فضله كثر نقصه ، ومن قل علمه وفضله وكثر نقصه لم يحمد على خير أتاه ولم يذم على شر جناه ولم يجد طعم العز ولا سرور الظفر ولا روح الرجاء ولا برد اليقين ولا راحة الأمن . وكيف يشكر من لا يقصد ، وكيف يلام من لا يتعمد ، وكيف يقصد من لا يعلم ، وما عسى ان يبلغ قدر سرور من لا يحس من السرور إلا بما سرت به حواسه ومسه جلده ! وكيف يأتي أربح الأفعال وأبعد الشرين من ركب شراسة السباع وغباوة البهائم ثم لم يعط الآلة التي بها يستطيع التفرقة بين ما عليه وله والعلم بمصالحه ومفاسده فيقوى بها على عصيان طبائعه ومخالفة شهواته ، وبها يعرف عواقب الأمور وما تأتي به الدهور ، وفضل لذة القلب على لذة البدن ، وأن سرور الجاهل لا يحسن في جنب سرور العالم ، وأن لذة البهائم لا تعادل لذة الحكيم العالم ، وأي سرور كسرور العز والرئاسة واتساع المعرفة وكثرة صواب الرأي والنجح الذي لا سبب له إلا حسن النظر والتقدم في التدبير ثم العلم باللّه وحده وأنك بعرض ولايته والجاه عنده وأنه الذي يرعاك ويكفيك وأنك إذا عملت اليسير أعطاك الكثير ومتى تركت له الفاني أعطاك الباقي ومتى أدبرت عنه دعاك ومتى رجعت إليه اجتباك ، ويحمدك على حقك ويعطيك على نظرك لنفسك ولا يغنيك إلا ليقيك ولا يميتك إلا ليحييك ولا يمنعك إلا ليعطيك ، وأنه المبدئ بالنعمة قبل السؤال والناظر لك في كل حال ، وهذا كله لا ينال إلا بغريزة العقل ، على أن