الجاحظ

116

رسائل الجاحظ

أي أوجهها يحسن التكليف وتثبت الحجة ومع أيها يسمح التكليف وتسقط الحجة . فأول ما أقول في ذلك أن اللّه - جل ذكره - لا يكلف أحدا فعل شيء ولا تركه إلا وهو مقطوع العذر زائل الحجة ولن يكون العبد كذلك إلا وهو صحيح البنية معتدل المزاج وافر الأسباب مخلى السرب عالم بكيفية الفعل حاضر النوازع ومعدل الخواطر عارف بما عليه وله ، ولن يكون العبد مستطيعا في الحقيقة دون هذه الخصال المعدودة والحالات المعروفة التي عليها مجاري الأفعال ومن أجلها يكون الاختيار ولها يحسن التكليف ويجب الفرض ويجوز العقاب ويحسن الثواب ، ولو كان الإنسان متى كان صحيحا كان مستطيعا لكان من لا سلم له للصعود مستطيعا ، ولن يكون أيضا مع ذلك كله للفعل مختارا وله في الحقيقة دون المجاز مستطيعا إلا وجميع أوامره في وزن جميع زواجره ، حتى إذا قابلت بين مرجوهما ومخوفهما ، وبين تقديم اللذة وخوف الآخرة وبين تعجيل المكروه وتأميل العاقبة وجدتهما في الجذب والدفع وفي القبض والبسط سواء ، ولا يكون أيضا كذلك إلا وبقاؤه في الحال الثانية معلوم لأن الفعل حارس والطباع محروسة والنفس عليها موقوفة ، فإن كان الحارس أقوى من طباعها كان ميل النفس معه طباعا ، لأن من شأن النفس الميل إلى أقوى الحارسين وأمتن السببين ، ومتى كانت القوّتان متكافئتين كان الفعل اختيارا ومن حد الغلبة خارجا ، وإن كانت الغلبة تختلف في اللين والشدة وبعضها أخفى وبعضها أظهر - كفرار الإنسان من وهج السموم إذا لم يحضره دواعي الصبر وأسباب المكث وهو من لهب الحريق أشد نفرة وأبعد وثبة وأسرع حركة ، ومتى قويت الطبيعة على العقل أوهنته وغيرته ، ومتى توهن وتغير تغيرت المعاني في وهمه وتمثلت له على غير حقيقتها ، ومتى كان كذلك كان عن إدراك ما عليه في العاقبة [ أبعد ] وزينت له الشهوات ركوب ما في العاجلة ، ومتى أيضا فضلت قوى عقله على قوى طبائعه أوهنت طبائعه ، ومتى كانت كذلك آثر الحزم والآجلة على