الجاحظ
114
رسائل الجاحظ
القلب وثقته علامة للحق لأن ذلك لو كان علامة لكان المبطل محقا إذ كان فيه قد يجد من السكون والثقة ما لا يجد المحق ؟ قلنا : وما معنى خلافه إلا أن يكون المبطل شاكا أو يكون عارفا بتقصيره أو يكون مكترثا لوهن يجده ؟ فإذا لم يكن كذلك فلا فرق بين المعقودين . فإن قالوا : إن فرق ما بينهما أن سكون قلب المحق حق في عينه وسكون قلب المبطل باطل في عينه ، قلنا : أو ليس ذلك غير محول لسكون المبطل عن الثقة إلى الاضطراب ولا مغيره إلى الاكتراث ؟ فإن قالوا ذلك ، قيل لهم : فما يؤمن المحق أن يكون سكونه أيضا باطلا في عينه إذ كان سكونه لا ينفصل من سكون المبطل ، ولئن كان الفرق بينهما ظاهر الاجتهاد والعبارة ، فمن أظهر اجتهادا من الرهبان في الصوامع والخوارج في بذل النفوس فإن قالوا : الفرق بينهما أن المحق قد استشهد الضرورات والمبطل لم يستشهدها ، قلنا : فهل يجوز أن يكون عند نفسه قد استشهد الضرورات أو لم يستشهدها ، حتى لو سأله سائل فقال : « ما يؤمنك من الخطأ ؟ » - لقال : « استشهادي الضرورات ؟ فإن زعموا أن المبطل لا يجوز أن يكون عند نفسه قد استشهد الضرورات لأن ذلك هو علامة الحق والفيصل بينه وبين الباطل ، قلنا : وهل رأيتم أحدا اكتسب علما قط أو نظر في شيء إلا وأول نظره إنما هو على أصل الاضطرار ؟ لأن المفكر لا يبلغ من جهله أن يستشهد الخفي ، بل من شأن الناس أن يستدلوا بالظاهر على الباطن إذا أرادوا النظر والقياس ، ثم هم بعد ذلك يخطئون أو يصيبون ، قلنا : فينبغي أن يكون كل مبطل في الأرض قد علم حين يقال له : « ما يؤمنك أن تكون مبطلا ؟ » أنه لم يستشهد الضرورات وأنكر أصله الذي قاس عليه واستنبط منه ضرورة ، وأنه إنما قال بالعسف أو