الجاحظ
103
رسائل الجاحظ
جامعا ، وهو القول فيما للذكور والإناث في عامة أصناف الحيوان وما أمكن من ذلك حتى يحصل ما لكل جنس من الخصال المحمودة والمذمومة ، ثم يجمع بين المحاسن منها والمساوئ حتى يستبين لقارئ الكتاب نقصان المفضول من رجحان الفاضل بما جاء في ذلك من الكتاب الناطق والخبر الصادق والشاهد العدل والمثل السائر ، حتى يكون الكتاب عربيا أعرابيا وسنيا جماعيا ، وحتى يجتنب فيه العويص والطرق المتوعرة والألفاظ المستنكرة وتلزيق المتكلفين وتلفيق أصحاب الأهواء من المتكلمين وحتى ينظر من لا يعلم مقادير ما استخزنها اللّه من المنافع وغشاها من البراهين وألزمها من الدلالة عليه وأنطقها به من الحجة له . فمنع من ذلك فرط الكبوة وإفراط العلة وضعف المنة وانحلال القوة ، فلما وافق هذا الكتاب منا هذه الحال وألفي قلوبنا على هذه الأشغال ، اجتنبنا أن نقصد من جميع ذلك إلى فرق ما بين الرجل والمرأة ، فلما اعتزمنا على ما ابتدأنا به وجدناه قد اشتمل على أبواب يكثر عددها وتبعد غايتها ، فرأينا واللّه الموفق ان نقتصر منه على ما لا يبلغ بالمستمع إلى السآمة وبالمألوف إلى مجاوزة القدر . وليس ينبغي لكتب الآداب والرياضات أن يحمل أصحابها على الجد الصرف وعلى العقل المحض وعلى الحق المر وعلى المعاني الصعبة التي تستكد النفوس وتستفرغ المجهود ، وللصبر غاية وللاحتمال نهاية ، ولا بأس بأن يكون الكتاب موشحا ببعض الهزل . على أن الكتاب إذا كثر هزله سخف كما أنه إذا كثر جده ثقل ، ولا بد للكتاب من أن يكون فيه بعض ما ينشط القارئ وينفي النعاس عن المستمع . فمن وجد في كتابنا هذا بعض ما ذكرنا فليعلم أن قصدنا في ذلك إنما كان على جهة الاستدعاء لقلبه والاستمالة لسمعه وبصره . واللّه تعالى نسأل التوفيق .