ابن حزم
79
رسائل ابن حزم الأندلسي
وترك تقليد ( 1 ) إنسان بعينه . فهم قد خالفوا جميع سيرة الصحابة والتابعين ، وخالفوا طريقهم ، ولم يقتدوا بهم ، ونحن مقتدون بهم حقاً ، والحمد لله رب العالمين . وأما قولهم : " فعنهم أخذ دينه " ، فلو اتقوا الله تعالى ولم يكذبوا كان أسلم لهم في الدنيا والآخرة ، ولو رجعوا إلى أنفسهم فنظروا هل رووا ما يدينون به عن الصحابة والتابعين أو لم يشتغلوا قط بشيء من ذلك فأن كان عندهم الصحابة والتابعون ( 2 ) إنما هم مالك وحده ، فهذه حماقة ( 3 ) لا يرضاها لنفسه ذو مسكة . وأما قولهم : " وهم المبلغون والناقلون إليه شريعته نقل كافة عن كافة ( 4 ) ونقل واحد عن كافة ، ونقل كافة عن واحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم " ، فهذه والله طريقتنا لا طريقتهم ، وسبيلنا لا سبيلهم ، هذا أمر لا يستطيعون إنكاره ؛ لأنهم لا يشتغلون بحديث أصلاً ، ولا بأثر ، إنما هو قول مالك وابن [ 175 ب ] القاسم ، وهذا رأي ، ولا مزيد إلا في الندرة فيما لا يعرفون صحته من سقمه ، وفيما يأخذون بعضه ، ويخالفون بعضه تظارفاً ( 5 ) ولا مزيد ، ونسأل الله التوفيق . 6 - ثم قالوا : " ففي الخروج عن الثقات وعن الجماعة إلى رأي واحد إن كان ذلك الواحد من جملة الجماعة لا مزية له عليه ، فهو والله شذوذ ، وخطأ لا يحل " ، وهذه صفتهم في خروجهم عن أقوال جميع الصحابة والتابعين ، وسائر الفقهاء لهم إلى رأي مالك وحده ، إن كان ذلك الواحد هو الذي أجازه الله تعالى برسالته ، واستصفاه لوحيه وعصمه ، وافترض طاعته على الجن والأنس ، فقد وفق ( 6 ) من خالف بأهل الأرض كلهم له ، فكيف وجميع ( 7 ) الصحابة والتابعين مجموعون على وجوب ترك قول كل قائل لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه طريقتنا ، والحمد لله رب العالمين كثيراً . فانظروا الآن من الزائر منا ومنهم ، ومن الشاذ نحن أم هم وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل .
--> ( 1 ) ص : التقليد . ( 2 ) ص : والتابعين . ( 3 ) ص : جماعة . ( 4 ) عن كافة : مكررة في ص . ( 5 ) ص : بطارقة . ( 6 ) ص : وقف . ( 7 ) ص : جميع .