ابن حزم

63

رسائل ابن حزم الأندلسي

ليس يوماً واحداً ولا اثنين ولا خمسة ولا عشرة إلا حتى تكمل أيام الشهر ، حتى يخرج على مناخركم وتصيبكم التخم . فقال له ( 1 ) موسى : هؤلاء هم ستمائة [ ألف ] رجل وأنت تقول : أنا أعطيكم اللحوم طعماً شهراً ، أترى تكثر ذبائح الغنم والبقر فيقتاتون بها ، أو تجمع حيتان البحر معاً لتشبعهم [ فقال السيد ] : ماذا يهم السيد أترى السيد عاجزاً فالآن ترى إن تم قوله . ثم ذكروا ان الله تعالى أنزل السمانى حول العسكر فأكلوا حتى تخموا ومات كثير منهم بالتخمة ، فسمي ذلك الموضع قبور الشهوات ( 2 ) . 51 - قال أبو محمد : فلو تدبر هذا اللعين الجاهل كذبهم في هذا الفصل ، لردعه عن أن يظن بقول الله تعالى لنبيه عليه السلام { فإن كنت [ 159 : ب ] في شك مما أنزلنا إليك } ، وليعلم ان الشك المجرد قد نسبوه إلى موسى عليه السلام في هذا الفصل ، فإنه لم يثق بقول ربه ولا صدق قدرته على إطعام بني إسرائيل اللحم شهراً كاملاً ، وهذا مع ما فيه من الشك المكشوف الذي لا يجوز ان يخرج له تأويل يبعده عن الشك ، ففيه من السخف غير قللي ، لان من رأى شق البحر ، وإنزال المن ( 3 ) المشبع لهم ، فواجب عليه ان لا يستعظم إشباعهم بلحم ينزله عليهم . ولكن الكذب والتوليد لا يكون إلا هكذا ليفضح الله تعالى به أهله . والحمد لله على ما من به علينا من طهارة الإسلام ، ووضوح حجته ، وله الشكر على ما كفانا من دنس الكفر ، وتناقض عراه . 52 - وبعد هذا الفصل أيضاً في السفر الرابع ما ذكره من قول الله تعالى لموسى عليه السلام إذ ضج بنو إسرائيل من دخول الأرض المقدسة ، قالوا : فقال السيد لموسى ابن عمران ( 4 ) : " حتى متى تتناولني هذه الأمة التي لا يؤمنون بي على ما آتيتهم من العجائب التي فعلت أمامهم ، سأضربهم بالوبأ حتى أمسخهم ، وأجعلك مقدماً على أمة عظيمة أشد قوة من هذه " ، وان موسى لم يزل يرغب إلى الله عز وجل حتى قال : قد غفرت لك كما سألتني . ففي هذا الفصل من إطلاق الكذب في الحلف على الله

--> ( 1 ) ص : لهم . ( 2 ) ص : الشهداء وفي ( ع ) قبروت هتأوة أي قبور الشهوة ( عدد 11 : 34 ) . ( 3 ) ص : وإنزال البحر المن . ( 4 ) وقال الرب لموسى حتى متى يهينني هذا الشعب وحتى متى لا يصدقونني بجميع الآيات التي عملت في وسطهم . إني أضربهم بالوبأ وأبيدهم وأصيرك شعباً أكبر وأعظم منهم ( عدد 14 : 11 - 12 ) وانظر أيضاً ( عدد 14 : 20 ) .