ابن حزم
173
رسائل ابن حزم الأندلسي
جمة منها كتاب ضخم ذكر فيه مسالك الأندلس ومراسيها وأمهات مدنها وأجنادها الستة ( 1 ) ، وخواص كل بلد منها ، وما فيه مما ليس في غيره ، وهو كتاب مريح مليح . وأنا أقول لو لم يكن لأندلسنا إلا ما رسول الله صلى الله عليه وسلم بشَّر به ، ووصف أسلافنا المجاهدين فيه ، بصفات الملوك على الأسرة ، في الحديث الذي رويناه من طريق أبي حمزة أنس بن مالك أن خالته أم حرام بنت ملحان ، زوج أبي الوليد عبادة ابن الصامت ، رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين ، حدثته به عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبرها بذلك لكفى شرفاً بذلك ( 2 ) ، يَسُرُّ عاجله ويغبط آجله . فإن قال قائل : لعله صلوات الله تعالى عليه إنما عنى بذلك الحديث أهل صقلية وإقريطش ، وما الدليل على ما ادعيته من أنه صلى الله عليه وسلم عنى الأندلس حتماً ، ومثل هذا من التأويل لا يتساهل فيه ذو ورع دون برهان واضح وبيان لائح ، لا يحتمل التوجيه ، ولا يقبل التجريح . فالجواب ، وبالله التوفيق ، أنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب ، وأمر بالبيان لما أوحي إليه ، وقد أخبر في ذلك الحديث المتصل سنده بالعدول عن العدول بطائفتين من أمته يركبون ثبج البحر غزاةً واحدة بعد واحدة ، فسألته أم حرام أن يدعو ربه تعالى أن يجعلها منهم ، فأخبرها صلى الله عليه وسلم ، وخبرة الحق ، بأنها من الأولين ، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم ، وهو إخباره بالشيء قبل كونه ، وصح البرهان على رسالته بذلك ، وكانت من الغزاة إلى قبرس ، وخرَّتْ عن بغلتها هناك ، فتوفيت رحمها الله تعالى ، وهي أول غزاةٍ ركب فيها المسلمون البحر ، فثبت يقيناً أن الغزاة إلى قبرس هم الأولون الذين بشر بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت أم حرام منهم ، كما أخبرت صلوات الله تعالى وسلامه عليه ، ولا سبيل أن يظن به ، وقد أوتي ما أوتي من البلاغة والبيان ، أنّه يذكر طائفتين قد سمى إحداهما أولى ، إلا والتالية لها ثانية ، فهذا من باب الإضافة وتركيب العدد ، وهذا مقتضى طبيعة صناعة المنطق ، إذ لا تكون الأولى أولى إلا لثانية ، ولا الثانية ثانية
--> ( 1 ) لعله يعني الأجناد التي نزلت الأندلس في طالعة بلج القشيري وفرقها أبو الخطار على الكور . انظر النفح 1 : 237 والإحاطة 1 : 109 . ( 2 ) يشير إلى حديث أورده مسلم ( 2 : 104 ) وفيه أن رسول الله ( ص ) نام ثم استيقظ وهو يضحك ، فقالت له بنت ملحان : ما يضحك يا رسول الله قال : ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة . . . . وأنه نام مرة أخرى وفعل كفعله الأول ، فلما قالت له أم حرام : ادع الله أن يجعلني منهم ، قال : أنت من الأولين .