ابن حزم

16

رسائل ابن حزم الأندلسي

يقوله ابن كثير يعد " ملمحاً " جيداً وإن لم يثبت في بعض أجزائه للمناقشة ، ولكنه يفتح الباب للقول بأن ابن حزم الذي أنكر العلل - مثلاً - في الشريعة إنما كان في محاكماته للأخبار التاريخية يبحث عن الأسباب والعوامل الكامنة وراء تلك الأحداث والأخبار ، وأنه كان يفيء إلى تحكيم العقل في طبيعة الخبر ، إلى جانب اعتماد توثيق الرواة ، حتى في بعض ما يدرجه غيره ضمن الأحاديث نفسها . ولنأخذ مثلاً واحداً على ذلك وهو حديث " هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر " فقد رواه سليمان بن محمد الخزاعي عن هشام بن خالد عن بقية عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة فرده ابن عبد البر بقوله : " سليمان لا يحتج به " أي أنه لم يقبل الحديث لضعف الراوي ( 1 ) . وقال فيه ابن حزم : وقد أقدم قوم فنسبوا هذا القول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا باطل ببرهانين : أحدهما أنه لا يصح من جهة النقل أصلاً . . . والثاني أن البرهان قد قام على أن علم النسب علم ينفع ، وجهل يضر في الدنيا والآخرة ولا يحل لمسلم أن ينسب الباطل المتيقن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 2 ) ، فاتكأ على المنهجين معاً في رفضه أن يكون ذلك القول حديثاً . كل تلك العوامل من سعة الاطلاع وخبرة بالإنسان وأحوال العمران الإنساني وصحة في التصور ودقة في النقد ، النقلي والعقلي ، كانت متوفرة لدى ابن حزم ليكون في طليعة المؤرخين ، ولكنه لم يصبح كذلك ، واكتفى بموقف هامشي للتاريخ في مؤلفاته ، ولا بد أن يكون لهذه الظاهرة أسبابها . وفي مقدمة تلك الأسباب النظر إلى التاريخ على أنه أداة لا غاية في ذاته ، وأنه يفيد في شيئين : التربية النفسية الأخلاقية ، وخدمة الشريعة ( كالحال في سائر العلوم عدا الشريعة ) " فإن اشتغل مغفل عن علم الشريعة بعلم غيره فقد أساء النظر وظلم نفسه ، إذ آثر الأدنى والأقل منفعة على الأعلى والأعظم منفعة ، فإن قال قائل إن في علم العدد والهيئة والمنطق معرفة الأشياء على ما هي عليه ، قلنا إن هذا حسن إذا قصد به الاستدلال على الصانع للأشياء بصنعته ،

--> ( 1 ) لسان الميزان 3 : 103 - 104 . ( 2 ) الجمهرة : 4 .